لماذا قُبل بتحويل لجنة البطاقة الصحفية إلى مجرد وسيط إداري لدى السلطة العليا للصحافة؟

منذ أكثر من ثلاثين سنة، عجزت الأنظمة المتعاقبة في موريتانيا عن إصلاح قطاع الصحافة بشكل حقيقي، وهو ما أفقد المهنة هيبتها ومكانتها، وفتح المجال أمام حالة من التمييع الممنهج، قادها مفسدون استطاعوا تحويل الإعلام إلى أداة لتلميعهم، حتى أصبح لكل مسؤول متهم بالفساد موقع أو صفحة إعلامية مخصصة للدفاع عنه.
وقد حاولت بعض الأنظمة السابقة معالجة هذا الوضع عبر ما سُمّي بـ“تنقية الحقل الإعلامي”، وهو عنوان وُوجه برفض واسع من طرف المنتسبين لمهنة الصحافة، لما يحمله من دلالات إقصائية، خاصة في حق الصحفيين الهواة الذين يمارسون المهنة بصدق ومهنية عالية رغم قلة الإمكانيات.
ومع وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحكم سنة 2019، رُفع شعار أكثر نضجًا وذكاءً، تمثل في “تمهين الصحافة بدل تنقيتها”، وهو شعار لقي ترحيبًا كبيرًا من مختلف الفاعلين في القطاع. ورغم الإكراهات والصعوبات، ومقاومة ما وصفه البعض بـ“مافيا الفساد الإعلامي”، تُوّج هذا التوجه بصدور قانون الصحفي المهني سنة 2024.
ورغم ما وُصف به هذا القانون من جمود، فقد مثّل ثمرة مخاض عسير، وأفضى إلى الإعلان عن إنشاء لجنة البطاقة الصحفية المهنية، برئاسة الأمين العام للوزارة الوصية على الإعلام، وعضوية نخبة من الصحفيين إلى جانب بعض موظفي القطاع، وهو ما قوبل بترحيب واسع في الأوساط الإعلامية.
غير أن الجدل بدأ مع إعلان اللجنة عن استقبال ملفات الترشح، حيث اشترطت توثيق الوثائق والسير الذاتية لدى السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، رغم أن صلاحيات هذه الأخيرة ـ بحسب المعترضين ـ تقتصر على تزكية السيرة الذاتية للصحفي، لا توثيقها. واستمر هذا الجدل القانوني إلى أن أصدرت السلطة العليا بيانًا صحفيًا زاد من حالة الغموض والضبابية حول آلية استقبال الملفات وحدود الصلاحيات.
وتفاقم الجدل أكثر بعد إعلان السلطة العليا عن تشكيل لجنة متخصصة لتقييم محتوى الصحفيين ذوي التجربة، وهو ما اعتُبر سحبًا فعليًا لصلاحيات لجنة البطاقة الصحفية، وتحويلها إلى مجرد وسيط إداري أو “بريد إلكتروني” لتسليم البطاقات المهنية لأصحابها، بعد نزع جميع صلاحياتها من طرف السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية.
هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية لجنة البطاقة الصحفية، واحترام روح قانون الصحفي المهني، وحدود تدخل السلطة العليا في مسار يُفترض أن يكون مهنيًا وتنظيميًا بحتًا .
أخبارالوطن
تحرير الصحفي آبيه محمد لفضل

ثلاثاء, 20/01/2026 - 00:52