قراءة قانونية في موضوع التميز الإيجابي في مسابقة المحامين الأخيرة   /ذ.  إبراهيم الب خطري

 

يأتي هذا المقال في سياق الجدل الذي أثير حول تطبيق التمييز الإيجابي في مسابقة المحامين الأخيرة، وهو جدل تجاوز البعد المهني الضيق ليلامس أسئلة دستورية وقانونية أعمق، تتعلق بحدود المساواة، ومشروعية التميز، وضوابط تدخل السلطة التنظيمية في ولوج المهن المنظمة قانونًا.

ولا يهدف هذا المقال إلى مناقشة النتائج أو تقييم الأشخاص، بقدر ما يسعى إلى قراءة قانونية محايدة لمدى انسجام آليات التمييز الإيجابي المعتمدة مع الإطار الدستوري والتشريعي الناظم، وذلك بالاستناد إلى:

ـ المبادئ الدستورية ذات الصلة، وعلى رأسها مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، كما هو مؤطر دستوريًا،

ـ مقتضيات قانون مكافحة لتمييز بوصفه نصًا استثنائيًا ذا وظيفة تصحيحية محددة،

ـ أحكام قانون تنظيم مهنة المحاماة، باعتباره قانونًا خاصًا يضبط شروط الولوج وضمانات المهنة،

ـ وما استقر عليه القضاء، وطنيًا ومقارنًا، في رسم الحدود الفاصلة بين التمييز المشروع والتمييز المخلّ بالمساواة.

وتنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن التمييز الإيجابي ليس امتيازًا مطلقًا ولا مبدأً مستقلاً بذاته، وإنما هو آلية قانونية استثنائية، تظل خاضعة لرقابة المشروعية، ولشروط الضرورة والتناسب، ولا يجوز أن تؤدي – في تطبيقها – إلى إفراغ مبدأ الاستحقاق أو المساس بجوهر المساواة التي جاءت أصلاً لتكريسها.

وعليه، فإن هذا المقال لا يصدر عن موقف مسبق مؤيد أو معارض، بل يحاول مساءلة التطبيق في ضوء النصوص والمبادئ، وفتح نقاش قانوني هادئ حول مدى سلامة التنزيل القانوني للتمييز الإيجابي في مسابقة يفترض فيها، بحكم طبيعتها، أعلى درجات الحياد والكفاءة

ـ الأساس الدستوري: مبدأ المساواة وحظر التمييز

1 ـ الدستور تعديل 2012: ينص دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية في ديباجته على حق المساواة وعدم التمييز بين المواطنين. وتأكد هذا الحق أيضا في المادة الأولى منه حيث نصت على أن الدولة " تضمن لكافة المواطنين المساواة أمام القانون دون تمييز في الأصل أو العرق أو الجنس أو المكانة الاجتماعية"

ووفقا للفقرة الأخيرة من الماد 3 من الدستور، هناك قراءتان:

القراءة الأولي: هي أن هذه الفقرة الأخير من المادة 3 من الدستور، لا تنشيئ تميزا إيجابا بل تؤكد على مبدأ تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء، وذلك في حدود مجال التعيين والمجال الانتخابي (المأموريات ـ الوظائف الانتخابية) ويدل على ذلك عبارة " تساوي الفرص "   التي توحي بإزالة العراقيل البنيوية والاجتماعية لا إلى منح امتيازات. وبالتالي فإن هذه القراءة تبرز استبعاد أي تميز قد يحصل لجهة الرجال أو النساء في هذه المجالات، وإنما تدعوا بشكل صريح إلى تساوي الفرص لولوج النساء والرجل.

القراءة الثانية: يري أصحاب هذه القراءة أن الدستور، يؤسس لإمكانية تدخل المشرع لسن تدابير تمييزية إيجابية لصالح المرأة، انطلاقا من مبدأ تحقيق العدالة والتمثيل، ويستندون إلى أن عبارة "يفسح القانون المجال" تدل على أن المشرع يؤسس لإمكانية سن تدابير تمييزية إيجابية لصالح المرأة لتسهيل وصولها إلى المأموريات والوظائف الانتخابية.     

ومهما يكن من تفسير للفقرة الأخيرة من المادة 3 من الدستور، فإن مجال تطبيقها يظل محصورًا في "المأموريات والوظائف الانتخابية"، ولا يشمل الوظائف الإدارية أو الشهادات المهنية، التي تُخضع للمنافسة على أساس الجدارة والكفاءة.

وبالمقارنة، قضى المجلس الدستوري الفرنسي في قراره الشهير رقم 2001-445 DC بتاريخ 30 مايو 2000 عندما عرض عليه قانون يقضي بفرض نسبة إلزامية (كوتا) للنساء في الانتخابات المحلية رفضه معتبرا انه غير دستوري لخرقه مبدأ المساواة، فلا يصح على هذا الوجه مالم يكن هناك تعديل دستوري يجيز هذا النوع من التمييز. وتمت مراجعة الدستور الفرنسي بناء على ذلك.

2 ـ قانون مكافحة التمييز (2018-023)

وفي هذا السياق، يُعد قانون مكافحة التمييز رقم 2018-023 هو النص الخاص الذي جاء ليُجرم صراحة جميع أشكال التمييز، وقد صدر في ظرفٍ كانت الدولة بحاجة إلى تأطير هذا الموضوع بنص قانوني يواكب الالتزامات الدستورية والدولية، ويُحصن مبدأ المساواة بين المواطنين.

 

 

 

الفقرة الأولي: المادة 20:

فالمادة 20 جاءت تحت عنوان: التميز في العمل: يتعرض للعقوبات المنصوص عليها في المادة 14 من هذا القانون كل من يقوم في مجال التوظيف، أو التكوين المهني، أو عرض التشغيل، أو الاكتتاب، أو تنفيذ التعاقد على العمل، أو فصل العمال، بارتكاب التمييز ضد شخص بسبب عرقه، أولونه، أو انتمائه، أو أصله، أو إعاقته، أو جنسه، أو جنسيته.

الفقرة الثانية: المادة 23:

فالمادة 23: يعاقب بالسجن من سنة واحدة إلى سنتين كل موظف عمومي، يقوم أثناء ممارسة وظائفه بالتمييز ضد شخص بسبب عرقه أولونه أو انتمائه أو أصله أو جنسه أو يمنعه بشكل تعسفي من ممارسة حق أو من حرية يمكن أن يطمح إليها طبقا للقوانيين المعمول بها.

3 ـ قانون تنظيم مهنة المحاماة: رقم: 2020 ـ 016 بتاريخ 24 يوليو 2020

المحاماة من المهن القانونية التي تنظم على أساس الجدارة والكفاءة. ولذلك حدد القانون شروطا للترشح دون أن يغفل عن معيار الكفاءة العملية والتجربة المهنية.

الفقرة الأولي: شروط الترشح:

فالمادة 5 تبين شروط الانتساب والحصول على شهادة الكفاءة المهنية لمزاولة عامة ومجردة ولم يرد ضمنها أي استثناء أو تفضيل لفئة معينة على أساس الجنس أو الانتماء الاجتماعي إنما هي مسابقة يعتمد النجاح فيها على الاستحقاق والجدارة.

الفقرة الثانية: معيار الكفاءة العلمية والتجربة المهنية:

أعفى هذا القانون بعض الفئات لنفس الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بالكفاءة، فقد أعفى القضاة ذوي الخبرة 15 سنة، وأساتذة التعليم العالي في القانون والشريعة، والمحامين الأجانب وفق مبدأ المعاملة بالمثل – من بعض شروط المسابقة والتكوين. هذه الإعفاءات تستند إلى امتلاك تلك الفئات للخبرة والكفاءة، وليست تمييزاً لصالحهم لاعتبارات شخصية. وبالمقابل، لم يتضمن القانون أي إعفاء أو أفضلية مبنية على الاعتبارات الاجتماعية (كالنوع أو غيره). وعليه فإن أي إجراء إداري أثناء تنظيم المسابقة أو تصحيحها يمنح امتيازًا لمترشح بناءً على صفته (كرجل أو امرأة، أو أي انتماء آخر) دون سند في القانون يُعتبر تجاوزًا لمبدأ المشروعية. ويُمكن الدفع بعدم شرعيته أمام القضاء الإداري لكونه يُخالف الدستور وقانون التمييز وأحكام القانون 2020-016 نفسه الذي حصر شروط النجاح والانتساب في الاستحقاق والكفاءة.

 

 

 

4 ـ مسابقة النساء 2011 (مقرر 1942)

أصدر الوزير الأول القرار رقم 1942/2011 بإجراء مسابقة تكميليّة خاصة بولوج المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء، مخصّص فيها اكتتاب 50 وحدة من النساء. وقد جاء هذا الأمر كتدبير تكميلي مستقل، استحدث بعد ملاحظة ضعف تمثيل النساء في النتائج النهائية للمسابقة العامة، فسعت الدولة إلى معالجة هذا الخلل بشكل استثنائي ومحدود

ويمكن قراءة هذا الإجراء من ثلاثة زوايا قانونية:  

الفقرة الأولي:  

أنه صدر بموجب مقرر عن الوزير الأول، ما يمنحه طابعا رسميا، لكنه يبقي قرار إداريا تعتريه القابلية للطعن والإلغاء، كما يبقي اجراء استثنائيا لا يحدث قاعدة عامة ولا ينشئ حقا دائما بالتمييز.

الفقرة الثانية:

أنه يندرج في مجال الوظيف العمومية، حيث يمكن الإدارة أن تتخذ ما تراه إجراء استثنائيا لضمان التوازن في تمثيل فئات معينة، شريطة ألا تخل بمبدأ الاستحقاق أو تقصي المؤهلين.

الفقرة الثالثة:

 أنه اكتتاب تكميلي، لم يلغي نتائج مسابقة أصلية، بل أضافها كملحق ما يخرجها من دائرة التميز غير المشروع ويدرجه في دائرة التدابير الظرفية ذات الطابع التخصصي

وعليه، فإن هذا الإجراء لا يمكن اعتباره تأسيسًا لمبدأ تمييز إيجابي عام، بل هو استثناء مبرر بسياقه، ولا يصلح للاستدلال به على جواز إدراج نسب تفضيلية دائمة في المسابقات المهنية أو التعليمية، التي تخضع بالضرورة لمعيار الجدارة وتكافؤ الفرص 

5 ـ الحصة المخصصة لذوي الإعاقة

طبقا لأحكام المادة 46 من الامر القانوني رقم 2006-043 الصادر بتاريخ 23 نوفمبر 2006 المتعلق بترقية وحماية الأشخاص المعاقين جاء المرسوم رقم 2015 ـ 062 الصادر بتاريخ 06 ابريل 2015 يتضمن تطبيق المادة السابقة المتعلقة بترقية وحماية الأشخاص المعاقين، فكان من ضمن ذلك تخصيص نسبة لا تقل عن 5% من الوظائف العمومية لهم.

هذا التخصيص يستند إلى مرسوم رسمي، أي إلى نص تنظيمي له قوة قانونية، مما يخرجه من دائرة التمييز غير المشروع

 

 

 

6 ـ قرارات قضائية ذات صلة

تؤكد السوابق القضائية ضرورة احترام مبدأي المساواة والجدارة:

في موريتانيا:

ـ قضت الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الموريتانية بتاريخ 18 يونيو 2019 ببطلان شروط الترشح في مسابقة المحاماة التي حددت السن الأقصى بـ 30 سنة لأن هذا القيد لم يرد في نص قانوني. هذه الحالة تكشف أن أي شرط لا يعتمد على نص تشريعي أو تنظيمي، بعد لا غيا ولا أساس له.

ـ تقدمت مترشحة في مسابقة المحامين سنة 2020 بطعن أمام الغرفة الإدارية بالمحكمة العلياء بدعوي أن الناجحين ليست من بينهم امرة، مطالبة بتطبيق سياسة التميز الإيجابي، فرفض طلبها لعدم تأسيسه.  

في مصر:

ـ حكم إداري مصري صدر عام 2020 لصالح “ابن فلاح”، حيث أنصف القضاء ابن مزارع متفوق في درجاته على ابن مسؤول كبير أُعطي الأسبقية في الالتحاق بمدرسة فنية لشركة مياه، فاعتبر القضاء المصري ذلك "تمييزاً وتفضيلاً" على أساس المستوى الاجتماعي، وألغي قرار قبول نجل المسؤول ووُضع نجل الفلاح محل قبول لمتانة أسس المساواة وعدم التمييز.

في فرنسا:

ـ حكم المجلس الدستوري الفرنسي (قرار 19 يونيو 2001، رقم 2001-445 DC) بأن أي قاعدة انتخابية تميّز بين المرشحين على أساس الجنس باطلة دستورياً إذ اعتبر المجلس أن تكوين قائمة مرشحين لمناصب عامة على أساس الجنس أمر لا يجوز بأي حال. هذا المبدأ الفرنسي يعكس رفضاً تاماً لأي تميز إيجابي في اختيار القوائم الانتخابية أو الوظائف العامة دون سند دستوري صريح.

7 ـ تجارب مقارنة (المغرب وتونس ومصر)

تأكيداً لذلك، تتبنى دساتير وقوانين المغرب وتونس ومصر مبادئ مماثلة للمساواة والجدارة. فمثلاً يشترط الظهير الشريف المغربي رقم 1.58.008 على أي مغربي الوصول للوظيفة العامة “على وجه المساواة”، دون أن يمنعه ذلك من اشتراط الشروط اللازمة لضمان اختيار الأصلح وأكّد قانون الخدمة المدنية المصري أن الوظائف المدنية حق لجميع المواطنين على أساس من الكفاءة والجدارة”، كما يحظر التمييز بين الموظفين لأي سبب كان

وفي تونس، يصر دستور 2014 على تماثل الفرص وإلغاء التمييز مع مراعاة مبدأ التكافؤ في بعض النصوص الانتخابية، وكذلك تعتمد أطر الوظيفة العمومية التونسية مبدأي الكفاءة والمساواة في الالتحاق بالوظيفة.

 

 

الخلاصة القانونية

  يرتكز هذا البحث على أن التمييز الإيجابي لا يكون مشروعًا إلا إذا استند إلى نص دستوري أو قانوني أو تنظيمي صريح، وأن المبدأ العام هو المساواة وتكافؤ الفرص، خاصة في المسابقات والشهادات المهنية التي تعتمد على الجدارة والكفاءة.

وقد تبيّن أن:

          •        المادة 3 من الدستور تحصر التمييز الإيجابي في الوظائف الانتخابية فقط. في أحدي قراءتها

          •        قانون تجريم التمييز (2018) يمنع كل تفريق غير مؤسس على نص.

          •        مسابقة اكتتاب 50 امرأة (2011) كانت تكميلية ومبرّرة بمقرر صادر من الوزير الأول  

          •        نسبة ذوي الإعاقة (5٪) مستندة إلى مرسوم صريح.

          •        أما تخصيص نسبة للنساء في مسابقة المحاماة دون سند، فيُعد خرقًا لمبدأ المساواة.

          •        تدعم هذا الاتجاه أحكام من القضاء الموريتاني والمصري والفرنسي.

وعليه، لا يجوز التمييز في الشهادات أو المسابقات المهنية إلا بنص تنظيمي مبرر، وإلا كان ذلك باطلاً ومخالفًا للدستور.

إبراهيم الب خطري: باحث في القانون وفي الدراسيات الإسلامية

إطار بوزارة الشؤون الإسلامية واستاذ القضاء والشهادات في المعهد لعالي للدراسات والبحوث الإسلامية

أربعاء, 21/01/2026 - 14:10