
الارقام لم تكن تعني شيئا في العهود الماضية. لم يكن تقديم حصيلة عمل حكومي على شكل ارقام واهداف وقياس ونتائج وعوائق وتنفيذ وعدم تنفيذ وتقدم وتاخر واستحداث ودراسة ومتابعة وتقييم واداء عملي امرا ذا قيمة في الثقافة السياسية الموريتانية. هذه المفردات لم تكن جزءا من الخطاب الحكومي ولا من المنظومة الذهنية لصناع القرار ولا من ادوات المساءلة.
كان الخطاب يدور في دائرة مغلقة من الانشاء السياسي واللغة الخشبية. لقد نفذنا سياسة رئيس الجمهورية الهادفة الى عصرنة الدولة. توجهنا توجهه واستطعنا تحقيق الرفاه والراحة والسعادة بفضل الرؤية الثاقبة لصاحب الفخامة. مشاريع عملاقة تم تنفيذها بفضل بصيرة صاحب الفخامة. عبارات تتكرر دون ارقام ودون قياس ودون اثر يمكن التحقق منه.
ثم بدا التحول. في عام 2015 دخل شاب اربعيني لامع الحكومة من بابها الواسع وبدأ يتحدث بلغة غير معهودة لغة الارقام. شيئا فشيئا صار للخطاب السياسي طعم التنفيذ واصبح السياسي المقتدر ينصت لانه يسمع ما يقاس لا ما ينشد.
غير ان القطيعة الحقيقية مع الخطاب القديم لم تكتمل الا يوم الرابع من سبتمبر 2024 حين وقف المختار ولد اجاي امام البرلمان بعد تعيينه وزيرا اول من طرف رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني وقال بالفعل لا بالقول ان العمل الحكومي من الان فصاعدا لن يدار الا بلغة الارقام.
جاء الى البرلمان بحصيلة الحكومة المنصرمة لا بوصفها سردا بل كشف حساب. ثم عاد في الرابع والعشرين من يناير 2025 ليختصر الطريق على الجميع معلنا ثلاثمائة واثنين من الالتزامات الحكومية سيتم الشروع في تنفيذها خلال عام واحد. لم تكن ارقاما معلقة في الهواء بل التزامات موزعة ومبرمجة وقابلة للقياس وخاضعة للمتابعة.
ثم كانت العودة الثالثة في الثاني والعشرين من يناير 2026 حيث عرض حصيلة فاقت التوقعات ممتعة في تفاصيلها دقيقة في ملخصها نالت منها الافعال والمتابعة والتقييم والشفافية والتسيير نصيب الاسد. هنا لم يعد الحديث عن نوايا بل عن تنفيذ فعلي.
الخطاب لم يتوقف عند نسب الانجاز بل وسع دائرة القياس لتشمل التدشينات والانشاءات والاستحداثات. مرافق عمومية دخلت حيز الخدمة فعليا في التعليم والصحة والمياه والطاقة والادارة والرقمنة. لم يعد التدشين لحظة رمزية بل نهاية سلسلة متكاملة تبدأ بالدراسة وتنتهي بالتشغيل. طرق ومنشات تعليمية ومراكز صحية ومستشفيات ومقار ادارية وبنى رقمية قيد الانجاز او مكتملة موزعة جغرافيا وفق منطق الحاجة لا المجاملة. استحداثات لم تقدم كزينة خطابية بل كاستجابة لاختلالات تم تشخيصها ومؤشرات تم رصدها.
وفي التعليم لم يكتف بالحديث عن الاولوية بل قدمت الارقام بثلاث حالات واضحة مدارس منفذة خففت الاكتظاظ وقربت المدرسة من التلميذ ومدارس قيد التنفيذ مربوطة بالتجهيز والمياه والكهرباء والموارد البشرية ومدارس مبرمجة مبنية على خرائط مدرسية محدثة ودراسات ديموغرافية وتوقعات نمو لا على الارتجال. هنا لم تعد المدرسة وعدا بل رقما على خريطة وتاريخا في جدول وكلفة في ميزانية.
ولان الارقام لا تولد من فراغ اعيد الاعتبار للدراسة. دراسات منجزة ودراسات قيد التنفيذ ودراسات مبرمجة تغطي البنى التحتية والاصلاحات الهيكلية والرقمنة والاستشراف والتخطيط بعيد المدى والتحولات الديموغرافية والمناخية. القرار لم يعد حدسيا بل مبنيا على المعطيات.
ما يميز هذه المرحلة في ذات الوقت كثرة المشاريع و تماسك السلسلة كاملة دراسة ثم برمجة ثم تمويل ثم تنفيذ ثم تدشين ثم تشغيل ثم متابعة ثم تقييم. انه انتقال فعلي من خطاب النوايا الى خطاب النتائج ومن الانشاء الى القياس ومن السياسة الانطباعية الى الحكم بالاداء. الارقام لم تعد معجزة بل صارت لغة الدولة.
فإذا كان المهندسون ينفذون مشاريع رقمنة الخدمات، فإن الوزير الاول المختار ولد اجاي ينفذ بجدية واقتدار "رقمنة الخطاب السياسي نفسه، ليجعله قائما على المعطيات لا الانطباعات، وعلى الارقام لا الانشاء، فخفف من انات المعارضة وحد من تهويل الموالاة.

