المواد المحصنة وقراءة نقديه للأقفال الدستورية لولد ببوط 

 

لا يمكن الحديث عن الدستور الموريتاني بمعزل عن الإسهام الفقهي للراحل أستاذنا المبجل فقيه القانون الدستور، أحمد سالم ولد ببوط ـ رحمه الله ـ، الذي وضع بصمته القانونية في لحظات وطنية حرجة بوصفه أحد العقول التي عملت على هندسة الضمانات الدستورية في سياق تاريخي اتسم بالهشاشة وكثافة المخاطر.

غير أن هذا الجهد ـ على أهميته ـ لا يكتمل إلا إذا أخضع لمبدأ القراءة المنطقية والتحليل القانوني، بعيداً عن هالات تقديس النصوص والأشخاص وتحويلهم إلى مرجعيات مغلفة ونهائية تعلوا على النقاش وتسموا على الظروف والواقع؛ فالفقيد صاغ ما يُعرف بـ "الأقفال الدستورية" (المادتين 99 و29) كأدوات وقائية لحماية التداول السلمي، لكن القراءة المعمقة لهذه الأقفال تكشف أنها تحمل في طياتها "مفاتيح" نفاذها، وذلك بدلالتي الالتزام والتضمن معاً.

إن القول بـ "إطلاقيه التحصين" يغفل حقيقة أن القفل الدستوري صُمم ليمنع "السلطة التأسيسية المشتقة" (البرلمان والرئيس) من العبث بالمأموريات، لكنه، لا يمكن أن يصادر حق "السلطة التأسيسية الأصلية" (الشعب) في مراجعة ميثاقه. فالقفل الذي يغلق باباً أمام التلاعب المؤسسي، يتضمن في جوهره مفتاحاً يتيح للشعب ـ باعتباره مالك السيادة ـ إعادة النظر فيما يخدم مصلحته العليا. فالتحصين ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلةٌ لضبط الانتقال، والوسائلُ تتبع المقاصد وجوداً وعدماً.

ومن هذا المنطلق، نؤصل لضرورة مراجعة الجمود الدستوري استناداً إلى قاعدة أن المنتوج البشري قائمٌ على التغير والتبديل لرفع الحاجة؛ وهي القاعدة التي رسخها الإمام السرخسي الحنفي في (المبسوط) بقوله: "حاجة الناس أصل في شرع العقود، فيشرع العقد على وجه ترتفع به الحاجة" فإذا كان الاجتهاد في النصوص الشرعية (وهي ربانية المصدر) واجباً ومسلكاً للعلماء والمحققين لاستنباط ما ينفع الناس ويقيم أمر دينهم ودنياهم، فمن باب أولى أن يكون الاجتهاد في النصوص الوضعية (وهي بشرية الوضع) متاحاً بل وضرورياً كلما استدعت الضرورة الوطنية ذلك. فالجمود على النص البشري رغم تغير السياق والحاجة مناقض لمقصد "المشرع الدستوري" نفسه.

إن القفل الداخلي المتمثل في "اليمين الدستورية" (المادة 29) يعزز هذا الطرح؛ فاليمين عقدٌ بين الرئيس والشعب غايته حماية الشعب ورعاية مصالحه. فإذا تحول النص المحصن إلى سبب للانسداد أو عجز عن مواكبة التحولات الوطنية، فإن "المفتاح" يكمن في العودة إلى صاحب السيادة (الشعب) لتجديد العقد أو تأسيسه من جديد بمقتضي المادة الثانية من الدستور. فالوفاء باليمين لا يعني التقييد بحرفية النص على حساب مصلحة الشعب، بل يعني حماية المقصد الأسمى الذي أُقسم من أجله.

وليس هذا المسلك في قراءة النصوص الدستورية بدعًا من القول، ولا شذوذًا عن المألوف في تجارب الدول التي نضج وعيها الدستوري؛ إذ تكشف المقارنة أن الدول الواعية لم تتعامل مع الدستور بوصفه نصًا معصومًا، وإنما بوصفه عقدًا حيا ومتحركا، كلما ضاق بأهله وسّعوه، وكلما قصّر عن مقاصده أعادوا النظر فيه دون أن يهدموا أسسه.

ففي السياق الإفريقي القريب، تقدم الجارة السينغال مثالاً بالغ الدلالة؛ إذ لم تتجه مراجعة الدستور سنة 2016 إلى توسيع زيادة المأموريات الرئاسية، بل إلى تقليصها وتعزيز القيود الزمنية عليها، وذلك عبر استفتاء شعبي مباشر، بوصفه التعبير الأسمى والسلطة التأسيسية الأصلية. وتكشف هذه التجربة أن إعادة النظر في المأموريات ليست بالضرورة أداة للتمديد، بل قد تكون مسلكاً لإعادة ضبط التوازن الدستوري وترسيخ الشرعية، بما يبرهن أن العبرة ليست باتجاه التعديل، بل بشرعيته ومسلكه ومصدره.

أما التجربة الفرنسية، فتُظهر بجلاء أن قوة الدستور لا تكمن في صلابته وجموده، بل في قابليته للتكيّف. فمن الجمهورية الرابعة إلى الخامسة، ومن تحديد الولايات إلى إعادة توزيع الصلاحيات، وبهذا ظل النص الدستوري خاضعًا للمراجعة كلما تغير ميزان السلطة أو استدعت الحاجة السياسية إعادة الضبط. ولم يكن ذلك خروجًا على الشرعية، بل تجديدًا لها؛ إذ فُهم الدستور باعتباره إطارًا ناظمًا للحياة السياسية لا قيدًا يكبّلها.

ويكتسب الاستشهاد بالتجربة الفرنسية وجاهته في السياق الموريتاني على وجه الخصوص، ذلك أن دستور 20 يوليو 1991 استلهم بنيته العامة من دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، سواء من حيث مركزية السلطة التنفيذية، أو من حيث منطق التوازن بين الاستقرار الحكومي والشرعية الانتخابية. وإذا كانت فرنسا نفسها قد مارست، داخل هذا الإطار الدستوري عينه، مراجعات متكررة وصلت تقريبا إلى أربعة وعشرين مراجعة طالت المأموريات وآليات ممارستها، فإن ذلك يؤكد أن الاقتباس الدستوري لا يعني الجمود، وأن النموذج المستلهم يظل قابلاً للتطوير كلما اقتضت المصلحة العامة وتجددت الحاجة السياسية.

وخلاصة الأمر أن أقفال الدستور لم تُوضع لتجميد الإرادة الشعبية، ولم تُشرع لتأبيد الأوضاع، بل لحماية المقاصد. فإذا تغيّر السياق، وتبدلت الحاجة، فإن الوفاء الحقيقي للنص لا يكون بالوقوف عند حرفه، بل باستنطاق روحه، وردّ الأمر إلى صاحبه الأصيل: الشعب، الذي به وُضع الدستور، ولأجله يُراجع، وباسمه وحده يُفتح كل قفل بمفتاحه المشروع

 

إبراهيم الب خطري

أستاذ القضاء والشهادات في المعهد العالي للدارسات والبحوث الإسلامية

إطار بوزارة  الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي

ثلاثاء, 03/02/2026 - 19:07