من التصعيد إلى الشراكة: دعوة إلى عقلنة الخلاف في قطاع التكوين المهني

يمرّ قطاع التعليم التقني والتكوين المهني بمرحلة دقيقة، اتسمت في الأسابيع الأخيرة بتصاعد التوتر بين الإدارة العامة ونقابة أساتذة التعليم التقني والتكوين المهني، وهو وضع لا يخدم أحدًا، ولا ينسجم مع طبيعة هذا القطاع الذي يقوم، في جوهره، على التعاون والعمل الجماعي.

المفارقة في هذه الأزمة أن جميع أطرافها ينتمون إلى نفس المدرسة المهنية: أساتذة التكوين التقني. الوزير، المدير العام، والمفتش العام، من جهة، والأساتذة الممثلون في النقابة، من جهة أخرى، خرجوا من نفس الورشات، واشتغلوا في نفس القاعات، ويعرفون عن قرب حجم التحديات التي تواجه هذا القطاع. وهذا ما يجعل استمرار الصدام أمرًا غير مفهوم، بل ومؤلمًا.

لا أحد ينكر أن الخلافات المهنية أمر طبيعي في أي منظومة. غير أن الفارق بين القطاعات التي تتقدم وتلك التي تتعثر يكمن في كيفية إدارة هذه الخلافات. فحين يُستبدل الحوار بالقرارات الأحادية، والتفاوض بالإجراءات الإدارية، تتحول المطالب المشروعة إلى أزمة، ويتحول الاختلاف إلى مواجهة.

إن النقابة، بحكم تمثيلها القانوني والمهني، ليست خصمًا للإدارة، بل شريكًا طبيعيًا لها. فهي تمثل القاعدة التي بدونها لا يمكن لأي إصلاح أن يُنفذ على أرض الواقع. وفي المقابل، تبقى الإدارة مسؤولة عن ضمان السير العام للمؤسسات وتحقيق أهداف الدولة. العلاقة بين الطرفين ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل.

استمرار التوتر الحالي يضعف الجميع: الإدارة تفقد جزءًا من ثقة الفاعلين في الميدان، والنقابة تجد نفسها مضطرة إلى التصعيد، والمتدرب يصبح الخاسر الأكبر. أما صورة القطاع، داخليًا وخارجيًا، فتتأثر سلبًا في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى منظومة تكوين مهني مستقرة وقادرة على الاستجابة لحاجات الاقتصاد الوطني.

من هنا، فإن المصلحة العامة تقتضي اليوم الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن إدارة الأزمة إلى بناء الحل. وهذا يمر عبر فتح حوار جاد ومسؤول بين الإدارة العامة والنقابة، يقوم على الاعتراف المتبادل، والإنصات، والبحث عن حلول واقعية تحفظ كرامة الأستاذ وتضمن استقرار المؤسسات.

قطاع التكوين المهني ليس ملكًا لطرف دون آخر. إنه رافعة وطنية لإدماج الشباب في سوق العمل، وتحقيق التنمية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. وحمايته من الاستنزاف الداخلي واجب على الجميع.
قد تختلف المقاربات، لكن الهدف واحد:
منظومة تكوين مهني قوية، محترمة، ومنتجة.
ولا طريق إلى ذلك إلا عبر الحوار والعمل المشترك.

أحمدو سيدي محمد الكصري 
خبير وطني في التوجيه المهني وهندسة التكوين

أربعاء, 04/02/2026 - 12:25