
.
بيان
في الوقت الذي كان فيه القضاة يترقبون صدور اعتذار صريح من معالي وزير العدل تحملا للمسؤولية بسبب مساسه باستقلال السلطة القضائية وإخلاله بالضمانات الدستورية المكفولة لها، صدر بيان عن المفتشية العامة للإدارة القضائية والسجون التابعة لديوانه.
ورغم ما اكتنف هذا البيان من اضطراب بين على كل المستويات، فإننا في نادي القضاة وانطلاقا من مسؤوليتنا المؤسسية وحرصا على تنوير الرأي العام والتزاما بالأمانة المهنية الملقاة على عواتقنا، نرى من واجبنا توضيح جملة من المعطيات وذلك على النحو الآتي:
أولا:
أن البيان الصادر مساء الثلاثاء عن نادي القضاة لم يقم على فرضيات أو تأويلات أو ظنون، وإنما تأسس على معطيات دقيقة مستمدة من مصادر موثوقة ومتعددة.
ثانيا:
أنه لايوجد نص قانوني يلزم قاضي التحقيق بالعمل خارج أوقات الدوام حتى في حال انتهاء مدة الحبس الاحتياطي لأحد السجناء، لأن القانون ألزم في هذه الحالة مسير السجن بتقديم السجين أمام وكيل الجمهورية لإطلاق سراحه.
ثالثا:
أن ما ورد في بيان المفتشية من ادعاء انقضاء مدة الحبس الاحتياطي في الملفين وترتيب المساءلة على ذلك يفتقر إلى السند القانوني، إذ لم تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي فيهما سوى ما يقارب نصف الآجال القصوى المحددة في المادة 138 من قانون الإجراءات الجنائية.
رابعا:
أن التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه هو ما الدوافع الحقيقية التي حدت بالمفتشية إلى التحرك بسرعة غير معهودة لمساءلة قاض رفض الرضوخ للضغوط، وتصرف في إطار المساطر والآجال المقررة قانونا.
خامسا:
أن القاضي باعتباره ضامنا لاستقلاله مسؤول عن حماية استقلاله وملزم بالتصدي لكل أشكال الضغط الرامية إلى التأثير على قناعته أو مساءلته بشأنها أيا كان مصدرها وذلك تطبيقا لأحكام المادة الخامسة من مدونة أخلاقيات القاضي المعتمدة مؤخرا خلال دورة المجلس الأعلى للقضاء.
سادسا:
أنه من المستقر فقها وقضاء أن تقدير حالات الاستعجال يعد من مسائل الواقع التي يختص بها قاضي الموضوع، ولا يخضع في ذلك لرقابة المحكمة العليا فضلا عن عدم خضوعه لأي سلطة وصاية إدارية أو تفتيشية. هذا فضلا عن أن قضاء الاستعجال مجال تطبيقه القضاء المدني، باستثناء حالة وحيدة معروفة في المجال الجزائي.
وإذ يعرب نادي القضاة عن بالغ استغرابه من إقحام المفتشية العامة في هذا المسار، فإنه يؤكد ما يلي:
1. أن نادي القضاة، خلافا للمفتشية،جمعية مهنية ذات طابع نقابي، لا تخضع لواجب التحفظ طبقا لنص المادة 11 من مدونة أخلاقيات القاضي.
2. استنكاره توظيف المفتشية من طرف وزير العدل في سياق التهديد والتخويف، والتهرب من المسؤولية، وهو ما يجعل من الضروري بل من الملح تعزيز استقلالية المفتشية بفصلها عن التبعية لوزير العدل وإلحاقها بالمجلس الأعلى للقضاء تطبيقا لمقتضيات الوثيقة الوطنية لإصلاح وتطوير العدالة، وهذا مايستدعي الإسراع بتعديل النظام الأساسي للقضاء والذي لم يعد تعديله يحتمل التأخير.
3. أن القاضي محمي، أثناء ممارسته لمهامه من جميع أشكال الضغط طبقا للمادة 90 من الدستور.
4. أن هذه الممارسات والتدخلات غير المشروعة من شأنها تقويض الثقة في القضاء وجعله عرضة للتأثير بما يشكل خرقا للقوانين الناظمة وتهديدا لكيان الدولة.
5. أن هذه الممارسات تشكل خرقا صريحا للمادتين 89 و90 من الدستور الموريتاني، كما أنها لا تنسجم بأي حال مع التوجه العام ولا مع البرامج الإصلاحية الواردة بالوثيقة الوطنية لإصلاح وتطوير العدالة.
6. أن التهديد عبر التلويح باللجوء إلى “وسائل متاحة” لن يثني نادي القضاة عن الدفاع عن استقلال السلطة القضائية، بالوسائل المشروعة المتاحة.
ختاما:
يوجه نادي القضاة نداءه إلى صاحب الفخامة رئيس الجمهورية رئيس المجلس الأعلى للقضاء للتدخل، بوصفه الضامن لاستقلال السلطة القضائية، لحماية استقلالها ولصون ما تحقق من مكاسب في مسار إصلاح العدالة منذ الشروع في تنفيذ الوثيقة الوطنية.
وأن يصدر تعليماته بالكف عن مثل هذه الممارسات، والشروع في تعديل النظام الأساسي للقضاء على النحو الوارد في الوثيقة الوطنية لإصلاح وتطوير العدالة.
05 فبراير 2026
عن المكتب التنفيذي
الأمين العام
القاضي مولاي اعلي ولد مولاي اعلي

