حين تتحول الدولة إلى تاجر.. ضرائب التطبيقات البنكية بين منطق الجباية وحدود العدالة/احمدولد الدوه

 

يقول ابن خلدون في مقدمته: «إذا مارس الحاكم التجارة فسد الحكم وفسدت التجارة».
ليست العبارة مجرد حكمة عابرة، بل خلاصة تجربة تاريخية عميقة حول طبيعة العلاقة بين السلطة والاقتصاد. فالدولة حين تخلع عنها صفة الحكم المنظم وتلبس ثوب التاجر المنافس، تختل موازين السوق، ويصبح المواطن زبونًا لا شريكًا في العقد الاجتماعي.
على ضوء النقاش الدائر حول فرض ضرائب أو رسوم على التطبيقات البنكية في عهد حكومة الوزير الأول المختار ولد انجاي، يعود هذا السؤال بقوة: هل نحن أمام سياسة تنظيمية تهدف إلى توسيع الوعاء الضريبي ومواكبة التحول الرقمي؟ أم أننا بصدد انتقال غير معلن من دولة راعية إلى دولة جابية؟
التطبيقات البنكية ليست مجرد وسيلة رفاهية، بل أصبحت شريانًا يوميًا لحياة المواطنين: تحويل رواتب، دفع فواتير، تسديد خدمات، وتحريك عجلة الاقتصاد غير النقدي. فرض رسوم إضافية عليها يعني عمليًا زيادة تكلفة المعاملات اليومية، خاصة على الفئات ذات الدخل المحدود التي وجدت في هذه الوسائل متنفسًا من أعباء التنقل والانتظار.
من منظور مالي بحت، قد تبدو الضرائب على الخدمات الرقمية خطوة طبيعية في سياق البحث عن موارد جديدة لخزينة الدولة، خصوصًا في ظل تحديات الميزانية وتراجع بعض الإيرادات التقليدية. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الضريبة ذاته، بل في فلسفتها وتوقيتها وأثرها الاجتماعي.
فحين تُفرض الرسوم دون تدرج أو دون حوار مجتمعي كافٍ، يشعر المواطن بأن الدولة لا تكتفي بدور المنظم والحكم، بل تنافسه في دخله المحدود، وتقتطع من مساحات كان يُفترض أن تشجعها، لا أن تثقلها. وهنا تستحضر مقولة ابن خلدون مجددًا: لأن تضخم الجباية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فينكمش النشاط الاقتصادي بدل أن يتوسع، ويتراجع الإقبال على الأدوات الرقمية بدل أن يتعزز.
كما أن تشجيع الدفع الإلكتروني والشمول المالي يُعد رهانًا استراتيجيًا لأي اقتصاد حديث. فإذا ارتبطت هذه الأدوات في وعي المواطن بزيادة الأعباء، فقد يعود جزء من التعاملات إلى الاقتصاد النقدي غير المهيكل، بما يحمله ذلك من خسارة للشفافية والرقابة الضريبية نفسها.
الدولة ليست تاجرًا، بل حكمًا بين الفاعلين الاقتصاديين. مهمتها خلق بيئة عادلة ومحفزة، لا الدخول في علاقة مباشرة مع المواطن بوصفه مصدر إيراد دائم. وحين يختل هذا التوازن، تتآكل الثقة، وهي رأس مال لا يُعوَّض بسهولة.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس فقط في تعبئة الموارد، بل في تحقيق عدالة جبائية تُراعي القدرة الشرائية، وتدعم التحول الرقمي بدل أن تعرقله. فالسياسة المالية الرشيدة هي التي توازن بين حاجات الدولة وطاقات المجتمع، دون أن يشعر هذا الأخير بأنه تحول من مواطن إلى مجرد زبون في متجر السياسات العمومية.

 

ثلاثاء, 10/02/2026 - 14:49