العلامة الشيخ عبدالله بن بيه:إفريقيا تحتاج إلى صناعة الأمل ولا يأس من رحمة الله

نواكشوط -شبكة المراقب الإخبارية 

شهد قصر المؤتمرات (المختار داداه)صباح اليوم الثلاثاء 10فبراير 2026 وقائع انطلاقة أعمال الدورة السادسة لمنتدى تعزيز السلم في إفريقيا ،وذلك بحضور الوزير الأول المختار ولد اجاي وأعضاء الحكومة وشخصيات وضيوف من الخارج يتقدمهم الرئيس اتشادي محمد ادريس دبي الذي وسلم جائزة تعزيز السلم في إفريقيا على هامش المؤتمر ،تثمينا لجهوده في الاضطلاع بالجانب الانساني من حرب السودان..

وقد القى فضيلة العلامة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في إفريقيا الخطاب الافتتاحي التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه الطيبين أجمعين.
معالي السيد اجاي ولد المختار الوزير الأول ممثل فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية،
معالي أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية،
معالي الدكتور أحمد عمر أحمد وزير إدارة الأراضي والحكم المحلي المكلف باللامركزية بجمهورية تشاد، تثمينا لدوره الفعال في الاضطلاع بالجانب الانساني
سعادة الأستاذ يوسف الضبيعي الأمين العام المساعد لمنظمة التعاون الإسلامي،
أصحاب المعالي والسعادة والفضيلة، كل باسمه وجميل وسمه،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني في مفتتح كلمتي هذه أن أتقدم باسم الحاضرين بجزيل الشكر لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ولحكومة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، على الرعاية الكريمة لهذا المؤتمر، وعلى ما تبذله من دعم ومساندة وتأييد للجهود في العالم ولا سيما في إفريقيا. كما انتهز هذه الفرصة لأبلغكم تحيات أخيكم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظه الله، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يشارككم اهتمامكم بالسلم وسعيكم إلى ترسيخه في إفريقيا والعالم أجمع. وهو نهج يعكس رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها، إذ إن السلم والاستقرار هما الخيار الوحيد لمستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للعالم.
ونهنئ ضيف الشرف لهذا العام جمهورية تشاد – رئيساً وشعباً – بفوزها بجائزة تعزيز السلم في إفريقيا ممثلين في فخامة المشير محمد إدريس ديبي إتنو رئيس جمهورية تشاد؛ تنويهاً بالاستجابة الإنسانية النبيلة التي أبداها تجاه أشقائهم الذين ألجأتهم ظروف الحرب والنزاع إلى النزوح واللجوء عبر الحدود. ويأتي هذا التكريم تقديراً لما بذلته جمهورية تشاد من مساهمة ملموسة في تعزيز السلم الإقليمي، وما قدمته من نموذج في التضامن الإنساني عبر احتواء تداعيات النزاعات، واعتماد مقاربات وقائية تعلي من قيم الأخوّة وتسهم في الحد من تفاقم الأزمات.
وكما يسعدني أن أرحب بضيوفنا من العلماء والمربين والفقهاء والأكاديميين والسياسيين والدبلوماسيين؛ إن هذا المزيج الفريد يمثل "أهل الحكمة" و"أهل الحل والعقد" الذين نعول عليهم لإثراء أعمال المؤتمر بعلم راسخ ورأي سديد؛ سعياً لتأليف القلوب، وتنوير العقول، ورسم معالم الأمل.
الحضور الكريم،
إن القارة الإفريقية التي يعدها كثير من الدارسين مستقبل العالم، لما تزخر به من مقومات طبيعية وبشرية، تتجاذبها اليوم اضطرابات داخلية، وتتناوشها صراعات دولية وتحديات تتصل بالأمن والتنمية والهوية؛ حتى غدت في منعطف حرج يمتحن تماسك الأوطان، ويستنزف الطاقات، ويبدد الآمال.
وأمام هذا المشهد ذي الأبعاد المتداخلة، البنيوية منها والظرفية، يكاد اللبيب يفقد صوابه، والشفيق أمله؛ لولا حسن الرجاء في الله تعالى، إذ يقول سبحانه: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾؛ فالرجاء روح الله ورحمته، والنهي عن اليأس أمر بضده، وهو أوسع من الأزمات وأنفذ من العوائق.
والمقصود من الرجاء هنا ليس تسلية للنفوس فحسب، بل تأسيس طاقة أخلاقية تعصم من العدمية، وتحرك الإرادة نحو العدل والعمران.
ومن هنا جاء شعار مؤتمرنا لهذا العام: "إفريقيا وصناعة الأمل: لا يأس من رحمة الله"؛ ليؤكد أن الأمل في غد أفضل ليس خياراً بل ضرورة ملحّة، وأنه ليس انتظاراً للمجهول، بل صناعة تتطلب عقول العلماء، وإرادة القادة، وطاقة الشباب؛ مسار يستمد روحه من قيم الرحمة والرجاء، ويستند إلى منهج عملي، يترجم إلى واجب شرعي وسياسات ومبادرات تجعل الأمل عملاً، وتصلح الخلل، وتضع أسس التنمية، وتبني الثقة والمؤسسات.
ذلك لأن البديل هو اليأس؛ واليأس مرض عضال إذا استولى على النفوس أضناها، وعلى البصائر أعماها؛ وهو بيئة خصبة للتطرف والعنف والفساد حين تسد آفاق الرجاء وتنحسر بواعث الأمل.
وفي هذا المعنى يقول الطغرائي:
أُعَلِّلُ النفسَ بالآمالِ أرقبُها … ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ
ومن ثم فمهمتنا أن نصنع هذه الفسحة من الأمل؛ فنحوّل الرجاء إلى عمل، ونفتح آفاق الحلول، ونرتقي في معارج الوصول إلى غد أفضل لشعوب القارة ومجتمعاتها.
ولا تزال القارة الإفريقية – رغم التحديات – زاخرة بالمبادرات المتميزة والنماذج الإيجابية التي يمكن للعالم أن يتعلم منها. وفي هذا السياق نستحضر الذكرى العاشرة لإعلان مراكش لحقوق الأقليات في العالم الإسلامي، الذي حظي باستقبال إقليمي ودولي واسع بفضل الله أولاً، ثم بالتعاون المثمر بين منتدى أبوظبي للسلم ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المملكة المغربية المتحدة، وبمشاركة نخبة من العلماء والمفكرين الذين قدموا معالجة شرعية رصينة لهذه القضية، مستلهمين روح صحيفة المدينة وما أرسته من مبادئ العدل والتعايش.
ويسعدنا أن يكون معنا اليوم معالي الدكتور أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في المملكة المغربية، فنرحب به وبجهوده المشهودة في خدمة الشأن الديني وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال.
ولعلنا نستحضر كيف كانت نواكشوط إحدى محطات الإعداد لذلك المؤتمر، بمشاركة أصحاب المعالي وزراء الشؤون الإسلامية في دول المغرب العربي، كما نذكر بما واكب المؤتمر من رسالة ملكية تشجيعاً وتنويهاً حيث قال جلالة الملك محمد السادس:
"نود أن ننوه بالجهود التي بذلتها وزارتنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية لتنظيم هذا اللقاء والتحضير له، وعقده تحت الرعاية السامية لجلالتنا، كما نود أن نعبر عن رضانا لما وفرته من أسباب نجاحه، ونعرب عن شكرنا لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي يترأسه الشيخ عبد الله بن بيه وتدعمه دولة الإمارات العربية المتحدة". انتهى الاستشهاد.
وقد أصبح هذا الإعلان مرجعاً مهماً في الشرق والغرب في حماية الكرامة الإنسانية وترسيخ العيش المشترك، مثالاً للتعاون المثمر بين الدول الإفريقية وشركائها، وفي مقدمتهم دولة الإمارات العربية المتحدة؛ وهو تعاون كان ولا يزال يسعى إلى بناء الاستقرار، ورأب الصدع، وحقن الدماء، وتجفيف منابع التوتر.
فإن مقصدنا الأسمى أن يتحول هذا اللقاء السنوي من ملتقى للأفكار إلى منصة لصناعة السياسات، وأن نخرج بمبادرات عملية تتكامل فيها إرادة القادة مع حكمة العلماء وطاقة الشباب؛ مبادرات تخاطب الإنسان الإفريقي بأن رحمة الله واسعة، وأن مستقبله يصاغ بالعلم والعمل في كنف الاستقرار؛ بعيداً عن مآسي الفقد في قوارب الهجرة، وعن مزالق الغلو والعنف؛ وذلك – من بين أسباب أخرى – من آثار اليأس وغياب الأمل. إن مستقبل قارتنا إنما يرسخ بتمكين الكفاءات، وإرساء الاستقرار المؤسسي الذي يحول الأمل إلى واقع مشهود.
أيها العلماء الحكماء، أيها القادة الأجلاء،
اللهَ اللهَ في الأنفس البريئة؛ إننا نناشدكم أن تؤدوا أمانة النصح لعباد الله، حتى تغمد سيوف الفتنة حقيقة ومجازاً، وليتذكر الجميع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والفتن، فإن اللسان فيها مثل وقع السيف» رواه ابن ماجه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ستكون فتنة صماء بكماء عمياء، من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف» رواه أبو داود. فليقم كلٌّ من موقعه ومكانته بالدعوة إلى السلم، وتغليب صوت الحكمة، والحد من بواعث الخلاف وموجبات الفرقة؛ فإن السلم هو مفتاح الرجاء، وبه تصنع فسحة الأمل.
ختاماً، نتقدم بجزيل الشكر للجمهورية الإسلامية الموريتانية رئيساً وشعباً على كرم الاستضافة وحسن الرعاية، كما نشكر كل الشركاء والداعمين، سائلين المولى عز وجل أن يبارك مساعينا، ويلهمنا الصواب، ويكلل أعمالنا بالنجاح والتوفيق.
ويطيب لي أن أهنئكم بقرب حلول شهر رمضان المبارك، سائلاً الله سبحانه وتعالى أن يجعله شهر رحمة ومغفرة وعتق من النيران علينا، وأن يهله على الأمة الإسلامية والعائلة الإنسانية جمعاء، وعلى دولنا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ثلاثاء, 10/02/2026 - 16:31