التزكية في الانتخابات الرئاسية بين احتكار النخب وإرادة الشعب: دعوة لإعادة التوازن الديمقراطي

 

 

في ظل التحضير للحوار الوطني المرتقب، تبرز الحاجة إلى التوقف عند بعض مواطن القصور في المنظومة الانتخابية الوطنية، وفي مقدمتها شرط التزكية للترشح لرئاسة الجمهورية. وتأتي هذه المساهمة في شكل تدوينات تستهل النقاش من هذه النقطة تحديداً، باعتبارها مدخلاً مهماً لإعادة التفكير في توازن العلاقة بين الشرعية التمثيلية والشرعية الشعبية.

إن ما يُقترح هنا لا يُقدَّم بوصفه الصيغة المثلى أو الحل النهائي، وإنما كأرضية للنقاش المسؤول والهادئ بين مختلف الفاعلين، بهدف الوصول إلى منظومة انتخابية أكثر تطوراً وانفتاحاً، تعكس بحق إرادة الشعب الموريتاني، وتكرّس دولة المؤسسات والقانون، وتُعزز الثقة في المسار الديمقراطي الوطني.

 

نظام التزكية: بين التمثيل المحلي والشرعية الشعبية

يشكل شرط التزكية من 100 مستشار بلدي - من ضمنهم 5 عمد موزعون على أغلبية الولايات - آلية لضمان جدية الترشح، وربطه بالتمثيل المحلي، وتعزيز الامتداد الوطني للمرشح عبر اشتراط التوزيع الجغرافي للتزكيات، والحد من الترشيحات العبثية حماية للمنصب رئيس الجمهورية من المغامرين السياسيين.

غير أن هذا النظام، رغم مزاياه، يظل مرتبطاً عملياً بالبنية الحزبية والسياسية القائمة، لأن المستشارين ينتمون وجوبا إلى أحزاب سياسية، مما يحد من انفتاح العملية أمام المستقلين أو الشخصيات ذات القاعدة الشعبية الواسعة خارج الأطر الحزبية.

 

المسار البديل: التزكية الشعبية كخيار مكمل ومنفتح

يمكن اقتراح فتح مسار ثانٍ للتزكية يتمثل، على سبيل المثال، في جمع عشرين ألف (20.000) توقيع من الناخبين الموزعين على أغلبية الولايات، بحيث لا يقل التوقيع عن ألفين (2.000) لكل ولاية.

يستند هذا البديل إلى مبررات رئيسية، أهمها:

  • انسجامه مع المادة 27 من الدستور التي تمنع رئيس الجمهورية من تولي أي منصب قيادي حزبي، مما يستوجب ألا تكون شروط الترشح رهينة للهياكل الحزبية؛
  • تعزيز مشاركة المستقلين وتوسيع قاعدة التنافس السياسي وتفادي احتكار الترشح من طرف المنظومة الحزبية؛
  • منح المرشح صاحب الشعبية المباشرة إمكانية الترشح دون الحاجة إلى دعم حزب أو منتخبين؛
  • الحد من الظاهرة الشائعة المتمثلة في لجوء بعض منتخبي الحزب الحاكم إلى تزكية مرشح معارض إمّا بدافع ضغط سياسي، أو رغبة في إظهار الحياد، أو لاعتبارات ظرفية. هذا السلوك يؤدي إلى إفراغ التزكية من معناها الحقيقي كمؤشر ثقة سياسية ويجعلها آلية شكلية قابلة للاستغلال؛
  • ضمان تمثيل وطني فعلي عبر التوزيع الواسع للتواقيع.

 

الموازنة بين المسارين: ضمان الجدية والانفتاح في آن واحد

يتيح تخيير المرشح بين الحصول على تزكية المنتخبين أو جمع التزكية الشعبية تحقيق توازن ديمقراطي سليم، يجمع بين صرامة التمثيل الترابي والانفتاح الشعبي، ويمنع احتكار الأحزاب لمنافذ الترشح، ويضمن المساواة بين مختلف الفاعلين السياسيين.

 

بناء على ما سبق، تقوم هذه الرؤية على مبدأ تحديث آليات الترشح والاقتراع بما يعزز ثقة المواطن والفاعل السياسي، ويواكب التطورات الديمقراطية، ويحمي استمرارية الدولة دون إقصاء أو انغلاق.

د. محمد إدريس ولد حرمه ولد بابانا

سبت, 14/02/2026 - 18:14