
شرف المهنة
ليست المحاماة مجرد حرفة يتكسب منها صاحبها، بل رسالة أخلاقية قبل أن تكون مهنة قانونية، ورسالة العدالة هي أثقل الرسائل وأعظمها قدراً. فمنذ نشأتها ارتبطت المحاماة في وجدان المجتمعات بصورة المدافع عن المظلوم، والحارس الأمين على ميزان الحق، لذلك لم يكن يلج أبوابها إلا من جمع بين العلم الواسع، والخلق الرفيع، والإيمان العميق بأن العدالة ليست نصوصاً جامدة بل ضميراً حياً.
لقد عُرفت هذه المهنة عبر التاريخ بمواقفها المشرفة، حين وقف محامون كبار في وجه الظلم غير هيّابين، غير عابئين بمغنم أو مغرم، واضعين نصب أعينهم أن كرامة المهنة من كرامة رسالتها. ولم يكن العائد المادي يوماً معيار التفاضل بينهم، بل كانت القيمة الحقيقية تُقاس بمدى نصرتهم للحق، واحترامهم لأخلاقيات الدفاع، والتزامهم بقدسية الكلمة أمام القضاء.
غير أن الواقع، كما هو حال كثير من المهن النبيلة، لم يسلم من عوامل التراجع. فقد تسللت إلى الساحة ممارسات غريبة عن روح المحاماة، فاختلطت الرسالة بالمصالح، وتقدّم بعض الطارئين إلى الصفوف الأولى لا بفضل الكفاءة بل بقوة النفوذ أو العصبيات الضيقة. ومع هذا التداخل بدأت صورة المهنة تهتز، لا بسبب جوهرها، بل بسبب من أساؤوا تمثيلها. وهنا يجب التمييز بوضوح بين شرف المهنة كقيمة ثابتة، وبين أخطاء بعض المنتسبين إليها كظاهرة عارضة.
إن أخطر ما يواجه أي مهنة هو أن تتحول الخلافات المهنية إلى صراعات شخصية أو فئوية، لأن ذلك يبدد الطاقات ويصرف الجهود عن الهدف الحقيقي: خدمة العدالة وصون الحقوق. فالمؤسسات المهنية، وعلى رأسها الهيئات والجمعيات العامة، وجدت لتكون فضاءً جامعاً للحوار والتقويم، لا ساحة للتجاذب والإقصاء. وحين تُفعَّل هذه الأطر بروح المسؤولية والشفافية، تستعيد المهنة توازنها، ويشعر المنتسبون إليها أن صوتهم مسموع ودورهم معتبر.
الإصلاح الحقيقي لا يصنعه خطاب الاتهام ولا ردود الفعل الغاضبة، بل تصنعه إرادة جماعية صادقة تعترف بالخلل وتعمل على معالجته. فالمهنة التي أنجبت عبر تاريخها نماذج مضيئة قادرة ـ بلا شك ـ على تجديد ذاتها، شرط أن تتقدم الكفاءة على الولاء، والمبادئ على المصالح، والمؤسسية على الفردية. كما أن القيادة المهنية، أيّاً كان موقعها، مطالبة بأن تكون ضامنة للتوازن لا طرفاً في النزاع، وأن تمارس دورها باستقلال وشجاعة، لأن ثقة أهل المهنة تنبع من شعورهم بأن من يمثلهم يمثل الجميع لا فئة بعينها.
إن مستقبل المحاماة لا يُبنى بالحنين إلى الماضي ولا بالتشاؤم من الحاضر، بل ببناء ثقافة مهنية جديدة قوامها التدريب المستمر، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وتعزيز روح الزمالة، والانفتاح على النقد البناء. وحين يدرك كل محامٍ أن سلوكه الشخصي ينعكس على صورة المهنة كلها، يصبح الحفاظ على شرفها مسؤولية مشتركة لا شعاراً نظرياً.
ستظل المحاماة مهنة شريفة ما دام فيها من يؤمن بأن العدالة رسالة، وأن الدفاع أمانة، وأن الكلمة أمام القضاء عهد. وقد تمر بها فترات ضعف، لكن المهن العريقة لا تموت، بل تتجدد كلما نهض أبناؤها الصادقون لإعادة الأمور إلى نصابها. وعندئذ فقط تستعيد المحاماة مكانتها التي تستحقها: منارة للحق، وصوتاً للعدل، وضميراً للمجتمع.

