
لا يخفى على المتابع أن فضاء التواصل الاجتماعي في هذه الأيام يشهد موجة من الكتابات والتعليقات وقد ذهب بعضها تحت تأثير حادثة مدانة من جهة الفعل والمسؤولية، إلى توصيف المحاظر بأوصاف جارحة، تجاوزت نقد السلوك إلى وصم المحظرة، وتعدت إدانة الفعل إلى الطعن في تاريخ كامل ونموذج معرفي راسخ في الذهنية الشنقيطية .
ولا خلاف في أن الحادثة ـ مهما كانت تفاصيلها ـ مدانة شرعا وأخلاقا وقانونا، ولا يصح بحال التهوين من شأنها، ولا تبريرها تحت أي ظرف وأي سياق. غير أن الإدانة متي تحولت إلى تعميم شامل أفضت إلى ظلم من نوع آخر، هو ظلم التاريخ وظلم الذاكرة الجمعية وتشويه التجربة ومصادرة الحقيقة للحظة عارضة.
إن من أصول النظر المنهجي ـ في هذه القضية ـ التمييز بين ما صدر من فعل مدان وبين المحظرة بوصفها بنية تاريخية للشناقطة أدت وظائف متعددة في سياقات مختلفة. فوصمها ـ بما لديها من عمق تاريخي وقيمة رمزية في تشكيل الهوية العلمية للبلاد ـ بسبب ممارسات منحرفة أو حالات شاذة، هو خلط بين المستويين، لا يستقيم مع ميزان العقل ولا مع مقتضيات الإنصاف.
فلم تكن المحظرة، عبر تاريخها فضاء سيئا لممارسات شاذة، بل كانت مركز إشعاع علمي وفكري، ومصدرا لصناعة الوعي وتشكيل التحولات في المجتمعات الإسلامية، داخل شنقيط وخارجها، فخرًجتْ علماء حملوا مشعل النور إلي أصقاع افريقيا والعالم الإسلامي والعالم الأوربي، فكان لهم الفضل في صناعة السلم ومجابهة الغلو في الدين، وتثبيت العقيدة، فكانوا سفراء للسلام وروادا للوسطية ومجددين في زمن التحولات.
ولعل أبرز الشهادات الخارجية على هذا التأثير الواسع، ما دونه الباحث الفرنسي Paul Marty في دراسته عن الإسلام في غرب إفريقيا، والرحالة الفرنسي Mollien, حيث أشار الأول إلى الأثر العميق لعلماء الشناقطة في التحولات التي حدثت في السينغال خلال القرن الثامن عشر، مثل ثورة الإمام عبد القادر، وقيام دولة الأئمة في فوتا تور (Fouta Toro) على أنقاض دولة Siratiks واعتناق ملوك والو للإسلام. فيما استغرب الثاني من تأثير علماء الشناقطة , مشيرا إلى أن جهودهم في نشر الإسلام كانت فعالة لدرجة أن المبشرين المسيحين وجدوا صعوبة في تحقيق أهدافهم التبشيرية في تلك المناطق.
ولم تكن هذه الشهادات التي دونها الفرنسيان Marty وMollien هي وحدها التي أبرزت مكانة المحظرة وأعلامها في رسم الملامح العلمية والدينية لغرب إفريقيا، بل هناك شهادة أخري لا تقل أهمية، بل لعلها أعمق دلالة وأقرب إلى حقيقة الداخل الإفريقي، وهي شهادة العلامة والمؤرخ الفتوي، موسي كمرا، حيث ذكر في كتابه زهور البساتين، أن علماء الشناقطة كانوا المنبع العلمي والثقافي الذي استفادت منه حضارة فوتا تور
وتعد هذه الشهادات ـ من باحثين خبروا الصحراء وضروبهاـ، اعترافا صريحا بأن اشعاع المحظرة غير وجه المجتمعات، لكن عظمة المحظرة لا تكمن في ماضيها فقط، بل في قدرتها على الصيرورة والمجاوزة، ولذلك واصلت رسالتها للعالم عبر ما أنجبته من رموز علمية حملوا رسالتها إلى منابر العلم في الشرق والغرب.
ويبرز في طليعة هؤلاء السفراء , المحظري الشيح محمد محمود ولد التلاميد التكزي , الذي يعود له الفضل ـ بعد الله ـ في تصحيح نسخة القاموس المحيط حتى غدت نسخته هي أصح النسخ، فقد بلغ في علوم اللغة العربية شأوا عظيما لدرجة أنه أُسندإليه كرسي اللغة العربية في جامع الأزهر، فكان بذلك أول شنقيطي يتبوأ هذا المقام الرفيع، وكان من نتائج ذلك أن تتلمذ عليه أعلام النهضة العربية الحديثة، أمثال: طه حسين، الذي ذكره بإجلال في كتابه الأيام، وأحمد حسن الزيات الذي ذكره بإعجاب في كتابه وحي الرسالة، بل إنه لما انتهى من تحقيق كتاب الفصول والغايات لأبي العلاء المعري , أهداه نسخة منه وكتب في نص الإهداء : " ..إلى الإمام اللغوي محمد محمود ابن التلاميد التركزي الشنقيطي ,أستاذي ,علامة مصر " .
لم تقف شهرة ابن التلاميد عند حدود المشرق، بل امتد صيته إلى أوروبا، فعندما تقرر عقد المجمع العلمي الثامن سنة 1306 ه 1889 م في مدينة استكهولم، وجه ملك السويد والنرويج Oscar 2 (أو ساكر الثاني) طلبا خاصا إلى السلطان عبد الحميد الثاني يدعوه فيه إلى إفادته كممثل للثقافة العربية والإسلامية، فدخل بذلك سجلات التاريخ الإسلامي والأوربي كأول عالم شنقيطي يطلب بالاسم إلى مؤتمر علمي أوربي بهذا المستوي. وقد دون هذه اللحظة التاريخية في قصيدة وجهها إلى ملك السويد جاء فيها:
إلى ملك السويد أسكارها الشـــهم
سأرحل وافدًا لا على جملٍ وهــــم
أأسكارَ ذا الثاني سآتيك وافــــــدًا
على بابك السامي لمجمعك الضخـــم
وما من ملوك الروم قبلك من رجا
حضوري لديه لاشتهاري بالــــــعلم
نحلتك مدحي إذ علت بك همة
فأرسلت تبغيني لتقبس من علـــــم
ونوهت لي باسمي وما كان خاملا
لتجمع بين الاسم عندك والعــــــــــلم
وإذا كانت المحظرة قد أوفدت ابن التلاميد لإعتلاء منابر العلم في المجامع الأوربية، فإنها في الوقت ذاته أوفدت من رجالها من غرسوا علمها في أرض الخليج العربي، ومن أبرزهم محمد الأمين ولد فال الخير الحسني. ففي مدينة الزبير أسس مدرسة النجاح التي غدت واحدة من أهم مؤسسات التعليم الشرعي في المنطقة، فتخرج منها على يديه عدد كبير من علماء الأحساء ونجد وسائر بلدان الخليج.
وقد توالت الشهادات من كبار الباحثين على دوره الريادي في نشر العلم وترسيخ منهج الاعتدال ومحاربة الظلامية، فيقول المفكر والمؤرخ عبد العزيز سعود البابطين في تقديمه لمذكرات الشيخ: " إنه رجل نذر حياته للعلم والتعليم، وحاول أن يبدد ظلمات الجهل والخرافة والتعصب عن المشرق العربي " .
وفي نفس السياق يقول الدكتور محمد المختار ولد اباه رحمه الله في تقديمه ـ أيضا ـ لمذكرات ولد فال الخير الحسني، " إنه التقى في مصر بالشيخ محمد محمود ولد التلاميد وجالسه ودارسه" . وكان هذا ـ في نظره ـ من العلامات الدالة على عمق التكويني العلمي الذي خرّجتْ به المحظرة الشنقيطية رجالها إلى العالم العربي والإسلامي. وقد رأى فيه ولد اباه عالما متمكنا راسخ القدم في علوم العربية والشريعة ذا شخصية علمية قوية، وروحٍ دعوية مخلصة، تركت بصماتها في الخليج من خلال مدرسة النجاح وتلامذتها المنتشرين.
وفي السياق نفسه،تظهرُ المحظرة من خلال أحد رموزها وهو العلامة محمد الخضر بن مايابى، باعتباره تعبيرًا مكثفًا عن نموذجها التعليمي في ذروته. فلم يُعرَف في موطنه فحسب، بل انتقلت كفاءته معه حيثما حلّ، فكان حضوره العلمي كافيًا لفرض الاعتراف برتبته داخل أنساق معرفية راسخة وهي الرتبة التي عبر عنها العلامة آب ولد خطور رحمه الله بقوله:
هو الخضرُ الذي شاع ذكرهُ
وأُ عمر َ وهدانُ به ونجودُ
له رتبةٌ تعلو على كل رتبةٍ
إذا خيضَ علمُ الشرع وهو شهيدُ
له رتبةً تعلو على كل رتبةٍ
إذا وفدت نحو الملوك وفودُ
لقد بث علماً فاستتارَ بنوره
غياهبُ من ليل الجهالة سودُ
فحين حلّ بالمغرب الأقصى في مطلع القرن العشرين، لم يُستقبل باعتباره وافدًا عاديا، بل قُدِّم إلى نخب فاس العلمية، كمنارة علم فشهدت له بالكفاءة وأقرّت له بأهلية التصدّر، في سياق كانت فيه المنافسة العلمية على أشدّها. ولم يكن ذلك تكريمًا سياسيًا صرفًا، بل اعترافًا علميًا نابعًا من ميزان المعرفة ذاته، عزّزته مناظراته ومراسلاته مع كبار علماء الحواضر المغربية.
ولما انتقل إلى الحجاز، وتحديدًا المدينة المنورة، لم يكن اختياره للتدريس بالحرم النبوي، ولا توليته الإفتاء على مذهب السادة المالكية، ثمرة مجاملة دبلوماسية أو انتماء جغرافي، وإنما نتيجة طبيعية لتراكم علمي أهّله للتصدر في واحدة من أكثر البيئات العلمية صرامة في شروطها. وهو ما جعل اسمه يتداول في الأوساط العلمية، باعتباره مرجعية مذهبية معتبرة.
ويتأكد هذا المُعطى أكثر حين نراه يُستدعى للمشاركة في تأسيس البنية القضائية لإمارة شرقيّ الأردن، حيث أُسندت إليه وزارة القضاء في أولى حكوماتها، ثم تولّى لاحقًا منصب قاضي القضاة. وهي مسؤوليات لا تُمنح عادة إلا لمن اجتمع فيه العلم، والخبرة، والقدرة على تنزيل الفقه في سياق الدولة الحديثة، وهو ما يعكس بوضوح حضور التكوين المحظري ـ في ذلك الزمن ـ وقابليته للتفاعل والاندماج مع التحولات السياسية والمؤسسية الكبرى.
ولم يتوقف أثر هذا العالم عند حدود الوظيفة الرسمية، بل امتد عبر شبكة واسعة من الرحلات العلمية، فخاض مناظرات علمية، وبثّ معارفه، وربط بين تقاليد علمية متباعدة، في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة قد اختزلت المسافات. كما لقي احتفاءً لافتًا في فلسطين، والقدس، والخليل، والعراق والكويت ثم البحرين وبومباي وحيدر آباد الدكن في الهند، واجتمع عليه العلماء، وأخذوا عنه العلم، في دلالة على عمق تكوينه المحظري .
ثم كانت القاهرة محطة أخرى كشفت عن امتداد هذا الحضور، حيث استُقبل من طرف المؤسسة الأزهرية، والتقى كبار علمائها، في سياق يعكس قيمته العلمية وحضور بلده في الذهنية المصرية.
وفي زمننا الحاضر، يمثل الشيخ عبد الله بن بيه ـ حفظه الله ـ امتدادا أصيلا لرسالة المحظرة، بوصفها منظومة تربوية ومعرفية صنعت رجالا نذروا أنفسهم لخدمة الدين والمجتمع. فواصل رسالة أسلافه، جامعا بين جذور التكوين المحظري العميق والوعي بالمقاصد الشرعية وضرورات العصر على طريقة الإمام الجويني، الذي عرف كيف يزاوج بين العلم والسياسية، وكيف يخاطب السلط ويستثمر قربه منها في ترشيد القرار وتوجيهه.
وقد أهله علمه المحظري وتوازنه إلى قيادة مبادرات السلام لإطفاء حرائق الفتنة والتطرف في العالم الإسلامي، كما حاور أتباع الديانات الأخرى بلغة عقلانية مسؤولة تعزز المشترك الإنساني وتبني جسور التفاهم، هذه المكانة المرموقة جعلت من الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما يستشهد بكلامه في إحدى خطبه عن الإسلام المعتدل معتبرا الشيخ عبد الله صوتا حكيما يدعوا إلى الوئام ويرفض الغلو.
غير أنّ أخطر ما أفرزته الحادثة الأخيرة ليس الفعل المدان في ذاته ـ فإدانته لا خلاف عليها ـ وإنما الطريقة التي جرى بها تحويله إلى ذريعة لمحاكمة المحظرة كمؤسسة تاريخية. فقد انزلق النقاش سريعًا من مساءلة محددة إلى تعميمٍ قاسٍ يُدين النموذج برمّته، وكأن تجربةً امتدّت قرونًا يمكن اختزالها في واقعة واحدة، أو كأن مؤسسةً أسهمت في تشكيل الوعي الديني واللغوي للبلاد تُختصر في خطأ أفراد. وهذا المسار في التفكير لا يستقيم مع قواعد الإنصاف، ولا مع منطق التحليل الرصين.
لقد وجد بعض الخطاب غير الموضوعي في هذه اللحظة فرصةً لإعادة إنتاج سردية قديمة ترى في المحظرة تجسيدًا للتقليد الذي ينبغي تجاوزه، لا تجربةً تاريخية قابلة للتطوير. وهنا يتحول النقد من أداة إصلاح إلى أداة تصفية رمزية، ويغدو الهدف إضعاف الشرعية الثقافية للمحظرة بدل تقويم اختلالاتها. غير أن هذا التوظيف الأيديولوجي للحوادث لا يخدم الحقيقة، بل يعمّق الاستقطاب، ويمنع أي نقاش جاد حول سبل الإصلاح.
وفي المقابل، فإن الدفاع العاطفي الذي ينكر وجود أي خلل لا يقل ضررًا عن الهجوم المتسرع. فالمحظرة اليوم ـ في بعض تجلياتها ـ تعمل خارج إطار تنظيمي واضح، وتفتقر إلى منظومة إشراف وتقييم تضمن جودة التكوين وسلامة البيئة التربوية. كما أن غياب الرقابة الدورية، وترك المبادرات الفردية دون تأطير قانوني، جعلا بعض المحاظر عرضة لاجتهادات شخصية قد تخرج عن روح النموذج نفسه.
والإنصاف يقتضي هنا موقفًا ثالثًا: لا هو تسويغٌ للهجوم، ولا هو إنكارٌ للمشكلة. فالمحظرة ليست فوق النقد، لكنها أيضًا ليست موضوعًا للتجريم الجماعي. وإذا كان ثمة قصور، فإن علاجه لا يكون بإلغاء النموذج ولا بتشويهه، بل بإدماجه ضمن سياسة تعليمية وطنية واضحة، تُحدّد المعايير، وتفرض آليات المتابعة، وتُنشئ دوريات رقابة منتظمة، وتربط بين الحرية العلمية والمسؤولية المؤسسية.
ومن ثم، فإن الواجب اليوم ليس الانخراط في سجال يغذي الانقسام، بل بناء رؤية إصلاحية متوازنة، تُعرف بتاريخ المحظرة ودورها وتُقر في الوقت ذاته بأن أي مؤسسة بشرية قابلة للمراجعة والتطوير. ذلك هو الطريق الذي يجمع بين إدانة الانحراف وإنصاف المحظرة وبين حماية الهوية وصيانة المصلحة العامة.
إبراهيم الب خطري: إطار بوزارة الشؤون الإسلامية وأستاذ القضاء والشهادات في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية

