عام على الفاجعة… وأنت باقٍ في القلب والدعاء (تأبين) القاضي عبدالله اندگجلي

بسم الله الرحمن الرحيم
وداعا يا شقيقي.... الى جنات الخلد
في مساء يوم الثلاثاء الموافق 2025/02/18 بعد صلاة العشاء تلقيت اتصالا ابلغني صاحبه بانتقال شقيقي علي اباه اندكجلي الي الرفيق الأعلى إثر حادث سير. 
امام لحظة الحزن والإنكسار ولأن الموت اعظم واعظ والصبر عند الصدمة الأولى و في المصيبة يثاب الصابرون ثوابا عظيما لقوله تعالى ( وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنالله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) ، وانا صابرمحتسب اكرر( إنا لله وإنا إليه راجعون ) تذكرت ابيات عماد الدين الأصفهاني
اري الحزن لايجدي على من فقدته
ولو كان في حزني مزيد لزدته 
عقدت بك الايمان بالنجح واثقا 
فحلت يد الاقدار ما قد عقدته 
اردت لك العمر الطويل فلم يكن
سوى ما اراد الله لا ما اردته 
فياوحشة من مؤنس قد عدمته 
ويا وحدة من صاحب قد فقدته
فقدت احب الناس عندي وخيرهم 
فمن لائمي فيه اذا ما نشدته
رغم هول الفاجعة ونزول الخبر علي كالصاعقة  الا انني تمالكت نفسي وبدأت على الفور مع الاخوة في الاستعداد للانطلاق نحو الغايره ، لم يستغرق التحضير وقتا طويلا ، وكأن الله قد هيأ الأمور ورتبها لهذه اللحظة ، انطلقنا ولسان حالي يردد ابيات عبدة بن الطبيب 
عليك سلام الله قيس بن عاصم 
ورحمته ما شاء ان  يترحما
وما كان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه  بنيان  قوم  تهدما
كانت المسافة طويلة والحزن يخيم على الجميع حتى الأطفال الصغار لم يسلموا من ذلك وحق لهم فقد غيب الموت للتو (أبب محمد) كما كان يحلو لهم ان يسموه .
الاايها الموت الذي ليس تاركي
ارحني فقد افنيت كل خليل
اراك خبيرا باللذين احبهم 
كأنك تنحو نحوهم بدليل
ما اثقل فقد الأخ وما اشد فراقه به ينكسر القلب ويترك وجعا في الفؤاد وغصة وجرحا غائرا لايندمل ، عزاؤنا في ذلك ان الموت مكتوب والفراق مشهود .
فلا جزع ان فرق الدهر بيننا 
وكل فتى يوما به الدهر فاجع
اخي لقد ذكرني ضياء القمر وانا في طريقي الي الغايرة والخيوط الأولى من شمس اليوم الموالي بمحياك في اليوم الذي قبله فتعجبت لحال الدنيا على الرغم من انك قد اعددت للموت ولم تغفل عنه 
فياعجبا للشمس كيف شروقها 
وقد عدمت وجها تبدت شمائله
ويا عجبا للبدر كيف ضياؤه
وقد غاب في بطن الثرى من ينازله
فيا قلب صبرا عن مصابك انما 
البقاء لحي لا شبيه  يماثله
تعز فلا شيئ على الأرض باقيا
وكل امرئ لا بد تعفو معاقله 
أخي تمر اليوم السنة الأولى على رحليك ولم تفارق ذاكرتي طيلة تلك السنة آخر مكالمة بيني وبينك مساء نفس اليوم الذي ترجلت فيه ، كان ذلك آخر اتصال بيننا في هذه الدنيا الفانية ، كلما استعدت تفاصيل تلك المكالمة خيل إلي أن وفاتك مجرد حلم وأنك لازلت على قيد الحياة وتداعت الى ذهني قسمات وجهك الطيب النضر ومحياك الذي لاتفارقه الابتسامة ومجلسك الذي لايمل........
كنت ذا خلق عظيم صدوقا كريما امينا بشوشا برا بوالديك خبيرا بثقافة التعايش ، يتسع قلبك للجميع ، لآرائهم رغم اختلافها ومواقفهم رغم تباينها ؛ مع قدرتك الفائقة علي احتواء المخالفين والعفو عن المسيئين والصفح عن المعتدين والمحافظة على ماتمليه اواصر القربى من علاقة وتستدعيه بعض المواقف من تغافل عنما يصدر من زلات وكأنك تتمثل مقولة ابي سفيان بن حرب رضي الله عنه (لم يخاصمني احد الا وجعلت بيني وبينه للصلح موضعا ) ومقولة علي بن ابي طالب رضي الله عنه ( من مكارم الاخلاق ان تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عن من ظلمك ) وابيات بشار بن برد
 اذاكنت في كل الامور معاتبا
صديقك لم تلقى الذي لا تعاتبه 
فعش واحدا اوصل اخاك فانه
مقارف ذنب مرة اومجانبه 
اذا انت لم تشرب مرارا على القذى
ظمئت واي الناس تصفو مشاربه
أخي كنت ممن تفانو في خدمة البلد ومن أكثرأساتذة الفيزياء كفاءة واقربهم الى قلوب الطلبة والتلاميذ قبل ترقيتك مفتشا ، فكنت أول من اصدر سلسلة الدليل في الفيزياء لبرنامج السوادس  (باكلوريا رياضيات وعلوم طبيعية ) في مطلع تسعينيات القرن الماضي ، في وقت ندرت فيه المراجع  وكان تلاميذ السوادس العلمية يجوبون حاضرة نواكشوط شرقا وغربا بحثا عما يمكن  الاستناد عليه لفك طلاسم احدى المواد التى ظلت تشكل العائق الأكبر أمامهم في الحصول على شهادة الباكلوريا ، جعل الله ذلك في ميزان حسناتك .
أخي وقاكم الله فتنة القبروعذاب النار وأمنكم من فزع وهول يوم القيامة واسكنكم فسيح جناته وانعم عليكم بالسعادة الأبدية وحشركم مع النبيين والصدقين والشهداء والصالحين! 
انالله وانا اليه راجعون.

 نواكشوط 2026/02/18
القاضي/ عبد الله اندكجلي

ثلاثاء, 17/02/2026 - 23:51