الرّعْيَانْ الخَمْسَة :وصفة إنقاذ قبل فوات الأوان /محمد الأمين لحويج

 

في الثقافة الحسانية، لا تُروى الحكايات للتسلية فقط، بل كثيرًا ما تحمل رموزًا تختصر واقع الناس وتكشف فلسفة كاملة في الحكم والتسيير. ومن بين القصص التي ظلّت تتردد في الذاكرة الشعبية، ما يُحكى عن الأسطورة “ديلول” حين أرادت ابنته أن تنبّهه إلى أن الطعام تناثر على لحيته، لكنها لم تقل ذلك مباشرة، بل اكتفت بإشارة ذكية: “البل اطايرت افلمراح.”

ففهم ديلول الرسالة فورًا، وردّ ببداهته المعروفة: “رعْيَانْهَا خَمْسَة ”، ثم مسح لحيته بأصابع يده الخمسة، في إشارة إلى أن بعض الأمور لا تحتاج إلى خطاب طويل، بل إلى وعي سريع وحل مباشر.

هذه القصة ليست مجرد طرفة تراثية، بل تحمل درسًا سياسيًا بالغ الدلالة: فهناك لحظات لا تُحل بالشعارات ولا بالمزايدات، بل بالحسّ العملي، وفهم الإشارة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

وربما لهذا السبب يستحضر كثيرون هذا المعنى حين يتحدثون عن رئيس الجمهورية، إذ يصفه البعض بأنه صاحب أسلوب خاص في إدارة التوازنات، وأنه يمتلك قدرة على التأثير في من يلتقي بهم. وقد ظهر ذلك في تصريحات بيرام الداه اعبيد بعد لقائه بالرئيس، حين قال إنه اقتنع به، ثم عاد لاحقًا وتراجع عن ذلك الاقتناع. وهي حالة تكشف شيئًا مهمًا: أن اللقاء الفردي قد يكون مؤثرًا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن مؤسسات الدولة وآلياتها المنظمة.

فالدولة قد تبدو في لحظة ما قوية ومتماسكة، لكنها تحمل أحيانًا اختلالات صغيرة تتراكم بصمت. وتبدأ الأزمة حين تتحول الفوضى إلى سلوك يومي، وحين يتراجع الانضباط، وحين تغيب المشاريع الكبرى القادرة على خلق الأمل، وحين تصبح الإدارة عبئًا بدل أن تكون أداة بناء وتطوير.

وهنا يظهر عامل آخر لا يقل أهمية عن المعارضة والموالاة، وهو ما يمكن تسميته “النخبة الصامتة”. نخبة واسعة في المجتمع، بعضها مستقل، وبعضها يرفض الاصطفاف، وبعضها يميل إلى النظام لكنه لا يجد قناة محترمة وآمنة للتواصل. إنها نخبة لا تجيد الضجيج ولا تحترف الاستعراض، لكنها تملك الخبرة والرأي والمقترح. وحين تُهمَّش هذه الفئة، يبقى القرار محصورًا بين طرفين: صخب المعارضة من جهة، وضغط الموالاة من جهة أخرى، بينما يغيب صوت العقل المتوازن.

وحين تتوفر أداة اتصال حقيقية وجادة بين الدولة والمجتمع، سيأتي الجميع دون استثناء، لا من باب الموالاة ولا من باب المعارضة، بل من باب ما يمكن تسميته “عدل الاستماع والإنصات وإيجاد الذات”؛ أي أن يشعر كل صاحب رأي أنه مسموع ومحترم، وأن الوطن يتسع للجميع، وأن الفكرة تُقاس بقيمتها لا باسم صاحبها. وهذا المعنى العميق عبّر عنه الشاعر ولدمبارك في طلعته الشهيرة 
مِنْ عَافِيتْ أحْمَلّ امْحَمَّدْ، حين وصف لحظة مجيء الجميع واختلاط المصنّفين بغير المصنّفين، حيث يقول:

جَ يَاسِرْ مِنْ شِ كَانْ اهْرُوبْ :: مَحْسُوبْ وشِ ماهُ مَحْسُـوبْ
واللِّ نَارُ فِـلْـكَسْبْ اصْلُوبْ :: واللِّ ما يَـطْرَحْ گَاعْ النَّارْ
واللِّ نَارُ كيفْ الْمَـكْـتُـوبْ :: والكَسْبْ اللِّ يَـطْـرَحْ لِحْبارْ

إن المرحلة الحالية، بكل ما تحمله من تحديات داخلية وتحولات اقتصادية وإقليمية، تحتاج إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإلى فتح باب جديد لا يقوم على الوساطات ولا على اللقاءات العابرة، بل على آلية مؤسساتية واضحة تستقبل الأفكار والمقترحات والرؤى، وتقيّمها بجدية، ثم تحوّل ما هو قابل للتطبيق إلى قرار وبرنامج عمل.

وهنا يصبح معنى “الرّعْيَانْ الخَمْسَة ” أعمق من مجرد أصابع اليد، لأنه يرمز إلى خمسة مفاتيح إصلاح ينبغي أن تنشغل بها الدولة في هذه المرحلة.

أول هذه المفاتيح هو فتح قناة اتصال حقيقية مع النخبة الصامتة، لأن الدول لا تُبنى فقط بالصراع السياسي، بل تُبنى أيضًا بالعقول والخبرات التي تعمل بصمت وتبحث عن خدمة الوطن دون مصلحة ضيقة.

أما المفتاح الثاني فهو إنجاز وطني ملموس، يراه المواطن قبل أن يسمعه. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمشاريع الكبرى التي تغيّر حياة الناس. ومن أهم ما تحتاجه موريتانيا اليوم برنامج وطني في الطاقة والصناعة، يجعل شركة اسنيم قادرة على تصدير الحديد كمنتج مصنع لا كخام، ويجعل المعادن الأخرى جزءًا من دورة اقتصادية داخلية تعود بالنفع على المواطن والدولة. كما أن طرح مشروع استراتيجي كبير مثل بناء عاصمة جديدة أو قطب اقتصادي حديث ليس رفاهية سياسية، بل خيار لتخفيف الضغط عن نواكشوط وبناء نموذج عمراني وإداري جديد.

والمفتاح الثالث هو الصرامة في التسيير العام. فالصرامة ليست قسوة، بل هي عدالة وانضباط ووضوح في المسؤوليات، وهيبة للدولة أمام المواطن، حتى لا تتحول الإدارة إلى فضاء للفوضى واللامبالاة.

والمفتاح الرابع يتمثل في تجديد الطبقة الحاكمة. فكل نظام يحتاج في لحظة معينة إلى دماء جديدة، وإلى إعادة بناء الثقة عبر إدخال كفاءات شابة، وإبعاد الوجوه التي استهلكتها السنوات أو ارتبطت بالجمود أو العجز عن الإقناع.

أما المفتاح الخامس فهو سياسة تشغيل وطنية جادة، تقوم على الصناعة والزراعة، وتضخ تمويلات حقيقية بطريقة عادلة وشفافة، مع متابعة صارمة حتى لا تتحول القروض والمشاريع إلى أبواب جديدة للهدر والفساد. فالبطالة ليست أزمة اقتصادية فقط، بل هي خطر اجتماعي وأمني أيضًا.

ومن بين الأفكار التي يمكن أن تشكل مشروعًا استثنائيًا في هذا السياق، فكرة ما يمكن تسميته “الجيش الغذائي”: جيش إنتاج لا جيش سلاح، جيش من الشباب المدمجين، تحت رعاية الجيش الوطني، بتكوين مهني وانضباط عملي في مجال الزراعة والإنتاج، خاصة المتسربين من المدارس. هذا النموذج لا يهدف فقط إلى تشغيل الشباب، بل إلى بناء روح وطنية منتجة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتحويل الطاقات الضائعة إلى قوة عمل ملموسة.

إنَّ خلاصة القول هي أنَّ زمن الحلول التسكينية واللقاءات التي ينتهي أثرها بانتهاء مفعول الصدمة قد ولّى؛ فالتحديات الراهنة تتطلب ما هو أبعد من "دبلوماسية الأشخاص" إلى "مؤسسية الأفكار". إن مفاتيح الإصلاح الخمسة التي أشرنا إليها ليست خيارات ترفيهية ولا شعارات عابرة، بل هي "رعيان ديلول" في نسختها الحديثة؛ إشارة لمن أراد أن يمسح عن وجه الإدارة غبار الركود، وعن وجه المجتمع غبار اليأس.

لقد حان الوقت ليدرك صنّاع القرارأن بناء الدولة يتم بالإنصات  للعقول الخبيرة، وبفتح قنوات جادة لاستيعاب الرأي الصادق، ثم بتحويل الطاقات المعطلة إلى جيش إنتاج يحمي سيادة الوطن .
محمد الأمين لحويج

أربعاء, 18/02/2026 - 13:28