التعيينات الجديدة في قطاع التكوين المهني: خطوة تصحيحية نحو الجودة المنشودة

يشهد قطاع التكوين المهني في الآونة الأخيرة حراكًا إداريًا لافتًا تمثل في تعيينات نوعية تعكس إرادة واضحة لإخراج هذا المجال الحيوي من حالة الجمود التي طالته لفترة ليست بالقصيرة. هذه التعيينات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تغييرات إدارية روتينية، بل هي مؤشر استراتيجي على بداية مرحلة تصحيحية قائمة على مبدأ وضع الكفاءات في مواقع التأثير، والاستعانة بالخبرات المتميزة القادرة على قيادة التحول المؤسسي.
لقد أبرزت الخطوة الأخيرة، خصوصًا على مستوى الوكالة الوطنية للتكوين، توجهًا نحو إعادة بناء منظومة الحوكمة المهنية وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، وهو ما يُنتظر أن يمتد تدريجيًا إلى مؤسسات التكوين المعنية بتطبيق معايير الجودة. هذا التدرج في الإصلاح يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المنظومة، حيث إن إصلاح القاعدة القيادية يشكل المدخل الطبيعي لتصحيح الاختلالات الهيكلية المتراكمة.
غير أن تحقيق الجودة المنشودة في التكوين المهني لا يمكن أن يتم عبر التعيينات وحدها، مهما بلغت دقتها، إذ لا تزال هناك عراقيل موضوعية ينبغي التعامل معها بواقعية وجرأة. ومن أبرز هذه التحديات:
أولًا: الاكتظاظ داخل الأقسام
ارتفاع عدد المتعلمين في القسم الواحد إلى أكثر من ستين متدربًا يمثل عائقًا بيداغوجيًا حقيقيًا، لأن التكوين المهني بطبيعته يعتمد على التطبيق والممارسة الفردية، لا على التلقين الجماعي. وكلما زاد العدد، تراجعت جودة المتابعة، وضعف التقويم الفردي، وفقد التكوين طابعه العملي.
ثانيًا: محدودية التأطير التربوي للمكوّنين
المكوّن هو حجر الزاوية في أي منظومة تكوين. ومع ذلك، فإن ضعف برامج التأهيل المستمر وغياب منظومة دعم مهني منتظمة لتطوير مهارات الأساتذة يجعل الأداء التربوي عرضة للجمود. الجودة لا تُفرض إداريًا؛ بل تُبنى عبر الاستثمار في تنمية قدرات المكوّنين علميًا وبيداغوجيًا وتقنيًا.
ثالثًا: نقص التجهيزات التطبيقية
تعاني الورشات والمخابر في عدد من المؤسسات من نقص حاد في المعدات والأدوات، وهو ما يحوّل التكوين أحيانًا إلى تدريب نظري بدل أن يكون إعدادًا مهنيًا حقيقيًا. التكوين بدون تجهيزات كافية يشبه تعليم السباحة دون ماء؛ قد تُشرح المهارة، لكنها لا تُكتسب.
نحو رؤية إصلاحية متكاملة
إن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق التشخيص إلى منطق المعالجة المنهجية، وذلك عبر خطة متكاملة ترتكز على:
ضبط الطاقة الاستيعابية للأقسام وفق المعايير التربوية.
إرساء نظام تأهيل مهني مستمر للمكوّنين.
تخصيص ميزانيات موجهة لتجديد تجهيزات الورشات.
ربط التقييم المؤسسي بمؤشرات جودة قابلة للقياس.
خلاصة توجيهية
إن التعيينات الأخيرة تمثل بداية واعدة وليست نهاية المسار. نجاحها مرهون بمدى قدرتها على تحويل الإرادة الإصلاحية إلى إجراءات عملية تمس الواقع اليومي للمؤسسات. فالجودة في التكوين المهني ليست شعارًا إداريًا، بل منظومة متكاملة تبدأ من القرار القيادي، وتمر بالمكوّن، وتتحقق في الورشة، وتُقاس في سوق العمل.
إذا أُحسن استثمار هذه اللحظة الإصلاحية، فإن القطاع مقبل على مرحلة استعادة الثقة والدور التنموي الحقيقي، أما إذا بقيت العراقيل دون معالجة، فستظل الجودة هدفًا مؤجلًا بدل أن تكون واقعًا ملموسًا.

أحمدو سيدي محمد الكصري 
خبير وطني في التوجيه المهني وهندسة التكوين

جمعة, 20/02/2026 - 11:27