البيروقراطية السلبية وأثرها على جودة التكوين التقني والمهني

 

قراءة تحليلية في سياق التحول المؤسسي

تتناول هذه الورقة التحليلية أثر البيروقراطية السلبية على منظومة التكوين التقني والمهني، من خلال تفكيك مظاهرها الإجرائية والتنظيمية، وبيان انعكاساتها على معايير الجودة ومخرجات التكوين. كما تسلط الضوء على التحول المؤسسي الذي تمثله الوكالة الوطنية للتكوين بوصفها إطارًا إصلاحيًا يستند إلى مقاربة النتائج، مع إبراز أهمية القيادة الإدارية في إنجاح مسار التغيير.

أولاً: الإطار المفاهيمي للبيروقراطية السلبية
في أدبيات الإدارة العامة، تُعد البيروقراطية نموذجًا عقلانيًا لتنظيم العمل قائمًا على القواعد والتسلسل الهرمي وتحديد الصلاحيات. غير أن الانحراف عن مقاصدها التنظيمية يولّد ما يمكن تسميته بـ"البيروقراطية السلبية"، حيث تتحول الإجراءات من أدوات ضبط إلى آليات تعطيل، ويصبح الامتثال الشكلي بديلاً عن الفعالية المؤسسية.

تتجلى البيروقراطية السلبية في:
تضخم المساطر الإدارية وتعدد مستويات المصادقة؛
مركزية القرار وضعف التفويض؛
غلبة منطق الوثيقة على منطق النتيجة؛
تآكل ثقافة المبادرة والابتكار؛
اختزال الجودة في تقارير وصفية غير مرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ثانياً: انعكاسات البيروقراطية السلبية على جودة التكوين
تقوم الجودة في مؤسسات التكوين التقني والمهني على مبادئ أساسية، منها: التخطيط المبني على الكفاءات، التنفيذ المنضبط، التقييم الدوري، والتحسين المستمر. غير أن هيمنة البيروقراطية السلبية أدت إلى:
إضعاف مواءمة البرامج مع سوق العمل نتيجة بطء التحديث وتعقيد مسارات الاعتماد.
تراجع فعالية التتبع البيداغوجي بسبب تحويل أدوات المتابعة إلى إجراءات شكلية.
غياب ثقافة القياس والتقييم والاكتفاء بإنتاج وثائق إدارية غير مرتبطة بالأثر.
انفصال الشراكة مع القطاع الخاص بفعل غياب المرونة في اتخاذ القرار.
إحباط الموارد البشرية نتيجة تضييق هامش المبادرة المهنية.

بهذا المعنى، لم تكن الأزمة أزمة موارد أو نصوص تنظيمية، بل أزمة حوكمة تنفيذية، حيث غابت المقاربة القائمة على النتائج (Results-Based Management) لصالح مقاربة إجرائية جامدة.

ثالثاً: الحاجة إلى تحول مؤسسي قائم على الحوكمة
إن إصلاح منظومة التكوين التقني والمهني لا يمكن أن يتحقق عبر تعديلات شكلية، بل يتطلب إعادة هندسة شاملة للإجراءات، وإرساء ثقافة مؤسسية تقوم على:
تفويض الصلاحيات مع المساءلة؛
تقليص حلقات التعقيد الإداري؛
رقمنة العمليات لضمان الشفافية؛
اعتماد مؤشرات أداء وطنية لقياس جودة التكوين ومخرجاته؛
ربط التكوين بالتشغيل ضمن إطار استراتيجي متكامل.

في هذا السياق، يشكل إنشاء الوكالة الوطنية للتكوين تحوّلًا نوعيًا من إدارة تقليدية مركزية إلى مقاربة وكالة قائمة على المرونة والنتائج، بما يتيح تجاوز اختلالات المرحلة السابقة.

رابعاً: القيادة ودورها في إنجاح مسار الإصلاح
تؤكد تجارب الإصلاح المؤسسي أن النصوص وحدها لا تكفي، بل إن القيادة الإدارية تمثل متغيرًا حاسمًا في نجاح التحول. إن تعيين السيد محفوظ ولد ابراهيم مديرًا عامًا للوكالة الوطنية للتكوين، ذي التجربة المعروفة، يعكس توجّهًا نحو ترسيخ إدارة قائمة على الخبرة الميدانية والرؤية الاستراتيجية.

فالتحول المنشود يتطلب قيادة قادرة على:
تفكيك التعقيدات الإجرائية المتراكمة؛
إرساء ثقافة أداء قائمة على المساءلة؛
إعادة بناء الثقة بين الإدارة والفاعلين التربويين؛
توجيه الموارد نحو تحقيق الأثر لا نحو استدامة الإجراءات.

الخلاصة 
إن البيروقراطية السلبية، حين تتحول إلى ثقافة مؤسسية، قادرة على تقويض أكثر الاستراتيجيات طموحًا، وإفراغ معايير الجودة من مضمونها العملي. غير أن اللحظة الراهنة، في ظل إعادة هيكلة القطاع وقيام الوكالة الوطنية للتكوين، تمثل فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج.
إن معيار نجاح الإصلاح لن يكون في عدد التعاميم الصادرة أو التقارير المنجزة، بل في قدرة المنظومة على إنتاج كفاءات مهنية عالية الجودة، مندمجة في سوق العمل، ومؤهلة للإسهام في التنمية الوطنية.
وهو رهان يستدعي يقظة مؤسسية مستمرة، وإرادة قيادية واضحة، وترسيخ ثقافة الجودة كخيار استراتيجي لا كالتزام شكلي.

أحمدو سيدي محمد الكصري 
خبير وطني في التوجيه المهني وهندسة التكوين

جمعة, 27/02/2026 - 01:30