
منذ الاستقلال وحتى اليوم، ظل قطاع الرياضة في موريتانيا يعيش مفارقة لافتة: غياب الرياضيين المتخصصين وأصحاب الخبرة الميدانية عن دوائر اتخاذ القرار، مقابل تعاقب إدارات لا تمتلك في كثير من الأحيان الخلفية الفنية الكافية لتسيير قطاع معقد وحساس.
هذه المفارقة لم تكن مجرد إشكال مهني أو نقابي، بل تحولت إلى كلفة مالية باهظة دفعتها الدولة على مدى عقود، نتيجة قرارات غير مبنية على رؤية فنية طويلة المدى.
الملعب الأولمبي: نموذج صارخ
يُعد الملعب الأولمبي في نواكشوط المثال الأكثر وضوحاً على ثمن إبعاد الخبرة الرياضية عن القرار.
منذ تأسيسه سنة 1983 ظل الملعب بعشب طبيعي
في 2014 تم نزع العشب الطبيعي واستبداله بعشب صناعي
بعد سنوات، تقرر العودة مجدداً إلى العشب الطبيعي
أي أننا عدنا إلى النقطة التي كان عليها الملعب عند تأسيسه، لكن بتكاليف مضاعفة
هذا المسار يعكس غياب دراسة فنية شاملة منذ البداية، لأن طبيعة المناخ، وكثافة الاستخدام، ومتطلبات المنتخبات، كلها عوامل كان يجب أن تُحسم برؤية خبراء ميدانيين قبل اتخاذ القرار.
القرار الفني ليس قراراً إدارياً
الرياضة ليست مجرد منشآت، بل منظومة فنية متكاملة تتطلب:
خبرة في نوعية الأرضيات
معرفة ببرامج الصيانة
فهم متطلبات الاتحادات الدولية
تقدير كلفة التشغيل على المدى الطويل
وعندما تُدار هذه الملفات بعيداً عن أهل الاختصاص، تكون النتيجة مشاريع تبدأ ثم تُلغى، أو تُعدل، أو يُعاد تنفيذها، فتتضاعف الكلفة دون تحقيق الاستدامة.
إقصاء الرياضيين… خسارة مزدوجة
إبعاد الكفاءات الرياضية عن مواقع القرار لا يضر فقط بالجانب الفني، بل يؤدي إلى:
ضعف التخطيط الاستراتيجي للمنشآت
غياب رؤية لتطوير الرياضة القاعدية
تضخم كلفة الصيانة والتجديد
تراجع نتائج المنتخبات الوطنية
فقدان الثقة بين الفاعلين في القطاع
والأخطر من ذلك أن الدولة تدفع مرتين:
مرة عند تنفيذ المشروع، ومرة أخرى عند تصحيح المسار.
أين يكمن الحل؟
الحل لا يكمن في تغيير الأشخاص فقط، بل في تغيير فلسفة التسيير من إدارة إدارية إلى إدارة فنية تشاركية، تقوم على:
إشراك الرياضيين والخبراء في اتخاذ القرار
إنشاء مجالس استشارية فنية للمنشآت الكبرى
اعتماد دراسات جدوى رياضية قبل أي مشروع
تكوين كوادر وطنية في إدارة المنشآت الرياضية
منح الاتحادات دوراً حقيقياً في التخطيط
الرياضة قطاع تخصص لا مجال فيه للاجتهاد غير الفني
الدول التي نجحت رياضياً لم تفعل ذلك بالصدفة، بل عبر تمكين أهل الاختصاص من إدارة قطاعهم.
أما استمرار تهميش الكفاءات الرياضية فيعني استمرار:
الهدر المالي
المشاريع غير المستدامة
النتائج المتواضعة
قصة الملعب الأولمبي ليست مجرد تغيير عشب، بل درس مكلف يؤكد أن إقصاء الخبرة الرياضية له ثمن.
وإذا أردنا مستقبلاً رياضياً مختلفاً، فعلينا أن نعيد الاعتبار للرياضي الموريتاني كخبير وشريك في القرار، لا كمجرد متابع من خارج المنظومة.
فالرياضة لا تُدار بالمكاتب وحدها، بل تُبنى بالخبرة التي نشأت في الملاعب.
د. محمد ولد الحسن
صحفي رياضي

