
تُعد البدائل السلمية لفضّ المنازعات من أبرز مظاهر تطور الفكر القانوني المعاصر، إذ لم يعد القضاء التقليدي الوسيلة الوحيدة لحسم النزاعات، خاصة مع تعقّد العلاقات التجارية وتزايد المعاملات الدولية. وقد أفرزت هذه التحولات حاجة متنامية إلى وسائل أكثر مرونة وسرعة وسرية، قادرة على تحقيق العدالة دون تعطيل المصالح أو الإضرار بالعلاقات المستمرة بين الأطراف. ومن هذا المنطلق برزت الوساطة والتحكيم كأهم الآليات البديلة التي تقوم على مبدأ سلطان الإرادة، أي حق الأطراف في اختيار طريقة تسوية نزاعهم وتنظيم إجراءاتها.
وتُعد الوساطة وسيلة ودية تعتمد على تدخل طرف ثالث محايد يساعد المتنازعين على التوصل إلى حل توافقي دون أن يملك سلطة فرض قرار عليهم. وتكمن أهميتها في قدرتها على الحفاظ على العلاقات التعاقدية، وتقليل التكاليف، وتسريع التسوية، فضلًا عن ضمان السرية وحماية السمعة التجارية للأطراف. أما التحكيم فيمثل صورة أكثر تنظيمًا، إذ يقوم على اتفاق الأطراف على إحالة النزاع إلى محكم أو هيئة تحكيم بدلاً من القضاء، بحيث يصدر حكم ملزم يتمتع بقوة التنفيذ وفق القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية.
وينقسم التحكيم من حيث التنظيم إلى تحكيم مؤسسي وآخر حر. فالتحكيم المؤسسي يتم تحت إشراف مركز متخصص يتولى إدارة الإجراءات وتقديم الدعم الإداري ووضع قواعد تنظيمية، ومن أبرز هذه المؤسسات الدولية محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية ومحكمة لندن للتحكيم الدولي والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، إضافة إلى مراكز إقليمية وعربية مثل مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي ومركز دبي للتحكيم الدولي ومركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي. غير أن دور هذه المراكز يظل تنظيميًا وإداريًا، إذ لا يجوز لها فرض محكمين أو قوانين على الأطراف، بل تضع تحت تصرفهم قوائم يختارون منها بحرية.
أما التحكيم الحر فهو الذي يتم دون إشراف مؤسسة، حيث يتفق الأطراف مباشرة على جميع عناصر العملية التحكيمية، مثل عدد المحكمين وإجراءات السير في الدعوى، وهو أكثر مرونة لكنه يتطلب خبرة قانونية كافية لضمان سلامة الإجراءات وصحة الحكم. ويظهر اتفاق التحكيم في صورتين قانونيتين أساسيتين، فقد يأتي في شكل شرط تحكيم يُدرج ضمن العقد قبل نشوء النزاع، بحيث يلتزم الأطراف مسبقًا بإحالته إلى التحكيم إذا وقع، وقد يأتي في صورة مشارطة تحكيم تُبرم بعد نشوء النزاع لتحديد موضوعه وإجراءات الفصل فيه.
ومن المبادئ المستقرة أن أطراف النزاع يملكون حرية اختيار المحكمين والقانون الواجب التطبيق ولغة التحكيم ومكان انعقاده، وهو ما يشكل جوهر العدالة الاتفاقية. لذلك لا يجوز لأي مركز تحكيم أو وساطة أن يفرض أسماء محكمين أو نظامًا قانونيًا معينًا، لأن ذلك يتعارض مع طبيعة هذه الوسائل. فالمراكز ليست جهات قضائية ذات سلطة إلزام، بل مؤسسات خدمية دورها تيسير الإجراءات وتنظيمها.
ورغم وضوح هذه القواعد، يظهر أحيانًا اعتقاد خاطئ بإمكانية احتكار خدمات التحكيم أو الوساطة بحجة تبعية مركز معين لغرفة تجارية أو مؤسسة رسمية. والحقيقة أن هذا التصور لا أساس له قانونًا، لأن التحكيم يقوم على حرية الاختيار، ولا يجوز تقييد هذه الحرية إلا بنص صريح. كما أن احتكار هذه الخدمات يتعارض مع مبادئ المنافسة المشروعة ويؤدي إلى الحد من الجودة وتضييق نطاق الخيارات المتاحة للأطراف.
إن تعزيز اللجوء إلى البدائل الودية يقتضي نشر ثقافتها في الأوساط القانونية والتجارية، وسنّ تشريعات واضحة تنظمها، وترخيص مراكز متعددة بما يخلق بيئة تنافسية تسهم في تطوير الأداء وتحسين مستوى الخدمات. فالتعدد المؤسسي في مجال التحكيم ليس مصدر تضارب، بل عامل إثراء وتخصص، لأنه يتيح تنوع الخبرات ويوفر خيارات تتناسب مع طبيعة كل نزاع.
ولا يكتمل هذا المسار دون الاهتمام بالتكوين الأكاديمي والمهني، إذ أصبح إعداد متخصصين في الوساطة والتحكيم ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد المعاصر. ومن ثم يُستحسن إدراج مقررات دراسية متخصصة في الجامعات والمعاهد القانونية، وتنظيم برامج تدريبية تطبيقية، إلى جانب إتقان اللغة الإنجليزية التي تُعد لغة أساسية في معظم العقود الدولية وفي عدد كبير من إجراءات التحكيم أمام المراكز العالمية.
وخلاصة القول إن البدائل السلمية لفضّ المنازعات تمثل ركيزة أساسية في المنظومة القانونية الحديثة، وتسهم في تحقيق عدالة مرنة وسريعة ومتخصصة، بما يعزز الثقة في البيئة الاستثمارية ويحفظ حقوق المتعاملين. وإن ترسيخ هذه الوسائل ونشر ثقافتها وتطوير مؤسساتها يعد خطوة ضرورية لمواكبة التحولات الاقتصادية والقانونية في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الحلول التوافقية بدل النزاعات القضائية المطولة .
المحكم الدولي سيد محمد محمد الشيخ

