
في ظل التوترات الدولية المتصاعدة على خلفية الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما رافقها من اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، وجدت موريتانيا نفسها أمام موجة جديدة من ارتفاع أسعار الوقود. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من يتحمل كلفة الأزمات العالمية؟ وهل ينبغي أن تُنقل الأعباء كاملة إلى كاهل المواطن؟
لا خلاف على أن أسعار المحروقات تتأثر بعوامل خارجية، وأن الدول المستوردة تبقى رهينة لتقلبات السوق الدولية. لكن وظيفة الدولة، في مثل هذه الظروف الاستثنائية، لا تقتصر على عكس الأسعار العالمية في السوق المحلية، بل تتجلى أساساً في امتصاص الصدمات وحماية القدرة الشرائية، خصوصاً للفئات الهشة. فحين تشتد الأزمات، يُنتظر من الحكومة أن تتدخل بآليات تخفيفية، سواء عبر صندوق دعم، أو تخفيضات ضريبية مؤقتة، أو مراجعة هوامش الأرباح.
إن لجنة الوطنية للمحروقات في موريتانيا مطالَبة اليوم بأكثر من مجرد احتساب فروقات الأسعار.
هي معنية بإدارة التوازن الدقيق بين استدامة المالية العامة وحماية الاستقرار الاجتماعي. فرفع الأسعار في ظرف اقتصادي هش ينعكس مباشرة على النقل، والمواد الغذائية، والخدمات الأساسية، ما يخلق سلسلة تضخمية تمس كل بيت.
وحين تتحول الحكومة إلى تاجر يمرر الكلفة كاملة إلى السوق، يصبح المواطن عملياً زبوناً لا شريكاً في الوطن. بينما الأصل أن تكون الدولة درعاً واقياً في أوقات الشدة، لا مجرد وسيط تجاري. فالعقد الاجتماعي يقوم على التضامن وقت الأزمات، لا على منطق العرض والطلب المجرد.
إن المرحلة تقتضي شفافية أكبر في تبرير القرارات، وإشراك الرأي العام في فهم المعادلة المالية، مع البحث الجاد عن بدائل تخفف الضغط، مثل ترشيد النفقات غير الضرورية، أو توجيه دعم مباشر للنقل العمومي والقطاعات الحيوية.
الأزمات عابرة، لكن أثر القرارات يبقى. وبين منطق السوق ومنطق الدولة، يظل الرهان قائماً على تغليب المصلحة العامة، حتى لا يتحول المواطن في وطنه إلى مجرد رقم في فاتورة.

