
ولا غرابة أن يكون الإشراق بعد الغروب بدلالته المعنوية والمادية فمع ضعف الأداء وانعدام الرؤية الاستشرافية يغرب ويتغرب الإشعاع و بوضوح الرؤية وشمولية النظرة يعود الإشراق ويسمع للإقلاع هديرا اقوى من الوهم بأجنحة توازن بين أصالة المرجع ومقتضيات العصر دون أن تنبت من جذورها او تنفصل من واقعها .
و من العادة أن أصحاب المشاريع الكبرى لا يترددون ولا يتأخرون في كسب الفرص المواتية للبرامج الإصلاحية زمانا ومكانا لسان حالهم " إذا هبت رياحك فاغتنمها "
فحان وقت التطبيق والاستعداد للإقلاع والحكمة تقتضي الاستشارة والاسترشاد من ذوي الخبرة والرشد .
وأفضل وسيلة لذلك هي الدعوة لإفطار جمع السادة العلماء والباحثين وأرباب الفكر وطلبة العلم في مكان حفظت ذاكرته تدارس أحكام دين الله بيانا وتبيينا استنباطا وتنزيلا وموازنة واستحضارا لجلالة الزمن وقداسة الذكرى التي غيرت مجرى التاريخ البشري ذكرى بدر الكبرى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان و تمايز السبيلان سبيل المشتركات الإنسانية الجامعة التي بها تستقيم الحياة ويتحقق مقصود الاستخلاف والإعمار الذي أراد الله للإنسان أن يكون مرتكزه ومحوره مسيرا بسنة التدافع والتسخير والابتلاء " سخر لكم ؛ ليبلوكم " .
فدار حديث الجمع بالمعهد العالي نقاشا وطرحا وتساؤلا و تأملا يمتثل أصحابه الأمر القرآني بالتدبر و الاعتبار في الخلق الذي أراد له الخالق التنوع والتعدد لتتكامل قواه وتستفيد آحاده من منافع بعضها( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) ( واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) .
فسبحان من جعل من الواحد تعددا وجعل التعدد دليلا على إحكام التدبير إفرادا وتفردا( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا..)
( أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ).
في فضاء هذا النص الفسيح سبحت أذهان الجمع مترسمة طريق المعاني في مسار وجوداته المختلفة _ ، الجنان، اللسان والبنان،- فاستخرجت كنوز علمية من جليل ودقيق صياغات ارباب الفكر قديما وحديثا لتجليات التنوع والتعدد لونا ولغة وثقافة في الموروث الفقهي لهذه الأرض التي عاشت وتعايشت عليها أجناس بشرية من نزع أمشاج من كل حدب وصوب فامتزجت وانصهرت في مجتمع واحد ، تعدده إثراء وثراء لتجربته الطويلة حسب وصف المفكر الوزير السابق الأستاذ أبوبكر ولد أحمد.
فكان لرباني المعهد فضل السبق في تنظيم تظاهرة علمية جمعت النخبة العلمية بمختلف أجيالها على مائدة نقاش عال جامع فكان للتوجيه والإرشاد حضوره مع الإمام الأعظم أحمدو ولد امرابط الذي أم الجموع لأول مرة بمسجد المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.
وصدع صوته الندي من مئذنته معلنا إشراق شمس في رأد الضحى من هذه المؤسسة مبددة غيوم وغبش سدف الإهمال والنسيان لسنوات خلت كادت أن تحجب الوجه الوضيئ للمؤسسة التي أراد لها مجتعها أن تكون تمثلا للمحظرة واستمرارا لهديها وصيتها، يتجدد مع الأعصر كطائر الفينق كلما اردوا له الموت قام من جديد أكثر قدرة على العيش والتحمل.
فكذلك المعهد سيبقى لهذا الوطن مرشدا وموجها لمسيرة النهوض.
وستمخر سفنه بربابنتها وإن قست الطبيعة و تحول الماء لخضخاض يمنع السير فالتجربة والحنكة والحكمة أشرعة وقوارب نجاة.

