
تتكرر في الفضاء الإعلامي العربي بين الحين والآخر مقولات تتهم الإيرانيين بأنهم “يكرهون العرب”، وتُقدَّم هذه الفكرة وكأنها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش.
غير أن التمعن في الوقائع السياسية على الأرض يكشف أن هذه الدعاية تبسيطية إلى حد كبير، بل وتتجاهل معطيات عديدة لا يمكن إنكارها.
فلو كان العداء للعرب هو المحرك الأساسي للسياسة الإيرانية، لكان من الصعب تفسير الدعم الذي قدمته طهران لفصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وهما حركتان عربيتان تنتميان في مرجعيتهما الفكرية إلى البيئة السنية في فلسطين.
هذا الدعم، سواء كان سياسياً أو مالياً أو عسكرياً، وفق ما تعلنه تلك الفصائل نفسها، جعل إيران تُقدَّم في خطابها السياسي باعتبارها جزءاً من محور داعم للقضية الفلسطينية.
لقد أصبح هذا الموقف أحد أبرز نقاط الجدل في النقاش العربي المعاصر.
فهناك من يرى في دعم إيران للمقاومة تعبيراً عن التزام سياسي مبدئي بقضية فلسطين منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الخميني، الذي أعلن الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس، ليكون مناسبة سنوية لتجديد التضامن مع الشعب الفلسطيني والتذكير بمركزية القضية الفلسطينية في وجدان الأمة الإسلامية.
كما رفعت الثورة الإسلامية منذ بداياتها شعارات سياسية حادة ضد ما اعتبرته قوى الهيمنة العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن الصراع معهما مرتبط بدعم الأولى للثانية وبالسياسات التي ترى طهران أنها تستهدف شعوب المنطقة وقضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
في المقابل، يرى آخرون أن هذا الدعم يأتي أيضاً في سياق صراع إقليمي أوسع تسعى من خلاله إيران إلى تعزيز نفوذها السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط.
وبين هذين الاتجاهين تبقى الحقيقة أكثر تعقيداً من الشعارات التي تُرفع في الحملات الإعلامية.
ومن الواضح أن الخطاب الطائفي لعب دوراً كبيراً في تعقيد الصورة. فالصراع السياسي في الشرق الأوسط كثيراً ما يُقدَّم في ثوب مذهبي، رغم أن كثيراً من القضايا المطروحة فيه تتعلق في جوهرها بمصالح جيوسياسية واستراتيجية.
وفي هذا السياق تُستخدم مقولة “العداء الفارسي للعرب” أحياناً كأداة تعبئة سياسية، تماماً كما تُستخدم في المقابل شعارات أخرى لتعبئة جماهير مختلفة.
لكن القضية الفلسطينية نفسها ظلت، عبر عقود، نقطة التقاء بين قوى متعددة على اختلاف توجهاتها.
فالدعم الذي تقدمه دول أو قوى إقليمية للمقاومة الفلسطينية لا يلغي وجود خلافات سياسية بينها وبين دول عربية أخرى، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً مهماً حول طبيعة التحالفات في المنطقة.
إن قراءة العلاقات الإقليمية بمنطق الأبيض والأسود وحده لا تساعد على فهم الواقع المعقد للشرق الأوسط.
فالدول تتحرك غالباً وفق حسابات المصالح والاستراتيجيات
لذلك فإن النقاش حول موقف إيران من العرب أو من المقاومة الفلسطينية يحتاج إلى قدر أكبر من الموضوعية، بعيداً عن خطاب التخوين المطلق أو التقديس المطلق.
فالتاريخ السياسي للمنطقة مليء بالتقلبات، والتحالفات فيها تتغير باستمرار وفق موازين القوى والظروف الدولية.
وفي الأخير: تبقى القضية الفلسطينية معياراً مهماً للحكم على المواقف في المنطقة.
فالسؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين اليوم ليس فقط: من يرفع الشعارات؟ بل أيضاً: من يدعم فعلاً صمود الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال الصهيوني ومن يكتفي بالكلمات؟

