بين استقرار القيادة واختلال الاختيار

صحيحٌ أن فخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني، على مستواه الشخصي، رئيسٌ شهمٌ ومثاليٌّ وصبور، يتوخّى الأمن والاستقرار لشعبه، في خضمّ محيطٍ يفتقد هاتين الميزتين اللتين وفّرهما لنا فخامته، ويحسدنا عليهما كثيرون في محيطنا الإقليمي، بل ويسعون إلى إقحامنا في ورطتي انعدام الأمن والاستقرار.
إلّا أنّه كان عليه أن يختار وزراءه وكبار مسؤوليه على أساس الكفاءة والوطنية، وهو ما نعتقد أنّه اعتمده في البداية قبل أن يخيب ظنّه في بعضهم، بعيدًا عن أسس الولاء والمحسوبية، والحرص على التوازنات القومية أو الفئوية أو الجهوية أو القبلية.
وتلك معوّقات يبدو أنّها سلبت الدولة الوطنية، في وقتنا الحالي، سيادتها، وتقاسمتها فيما بينها، مهمِّشةً الدولة ومجرِّدةً إياها من القوة والقرار السيادي.
فأصبح الموظف الإداري أو القضائي عاجزًا عن تحرّي العدالة بين المواطنين في النزاعات التي تُعرض عليه، والتي تنشب بينهم من حين لآخر، خوفًا من أن يصبح ضحيةً دون غطاءٍ من إحدى المكوّنات التي استولت على السيادة الوطنية وطغت عليها، بل وأصبحت تشكّل تهديدًا حقيقيًا لموظفي الدولة ووسائل قوتها، فضلًا عن سعيها إلى تفكيك مكوّنات نسيجها الاجتماعي التاريخي.
فالموظف اليوم لا يقدر على تنفيذ قراره ضد الحَرَاطين مثلًا خوفًا من "إيرا"، ولا ضد "كُورِي" خوفًا من "لكُور"، ولا ضد فردٍ من أفراد قبيلة الرئيس أو إحدى القبائل القوية من البيظان، ولا ضد شخصٍ ينتمي إلى أحد الضباط الكبار في المؤسسة العسكرية.
ومن هنا، خرجت العدالة من الباب الواسع.
وأتذكر حين كانت السيادة الوطنية بيد الدولة المدنية، محتكرةً لها، وتختار موظفيها على أساس الكفاءة والاقتدار، كان مفوض شرطة واحد قادرًا على بسط الأمن في مختلف أرجاء نواكشوط أو أي مدينةٍ يُعيَّن فيها. وكان المفوض أواه ولد لليد، مثلًا، شاهدًا قويًا على ذلك.
كما كانت سمعة ضابط الحرس الوطني "ممي" كافيةً لفرض الاحترام وهيبة الإدارة العامة، في الوقت الذي كانت فيه هيبة الكولونيل فياه ولد والمعيوف، وغيرهما من كبار الضباط، كفيلةً بهيبة الجيش الوطني.
وبمقارنةٍ ذهنيةٍ بسيطة بين تكوين واختيار المسؤولين الأوائل في النظام المدني المطاح به، وبين تكوين واختيار الأنظمة العسكرية المتعاقبة على الحكم، نجد بونًا شاسعًا، لسببٍ بسيطٍ مفاده أن المثقف المدني يحترم المعايير العلمية والموضوعية في خياراته، وهو ما يفتقده العسكري –في الغالب– خارج مجاله العسكري، إذ يميل إلى اعتماد المعايير الشخصية، وهي لا تصلح لإدارة الشأن السياسي العام بتشعّباته وتخصّصاته الكثيرة.
ذ/ الدكتور محمد كوف الشيخ المصطفى العربي

سبت, 28/03/2026 - 15:15