
_____________________
في محيط إقليمي مضطرب، حيث تتساقط الأنظمة تحت وقع الانقلابات، وتتصاعد نيران النزاعات العابرة للحدود، تبرز موريتانيا كاستثناء لافت، عنوانه الاتزان، وركيزته الحكمة السياسية. وفي قلب هذا المشهد، يقف فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، رجل الدولة الذي اختار طريق التعقل حين انجرفت المنطقة نحو الفوضى، والتبصر حين غلب الانفعال على كثير من الفاعلين.
لقد شهدت مالي خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، أعقبت الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد عاصمي غويتا، وما ترتب عليه من اختلالات أمنية، وتراجع في مؤسسات الدولة، وتمدّد للجماعات المسلحة بمختلف تصنيفاتها. وفي خضم هذا الوضع المعقد، لم تكن الحدود الشرقية لموريتانيا بمنأى عن التداعيات، بل أصبحت مسرحًا لتوترات متكررة، واستفزازات ميدانية، واعتداءات طالت أحيانًا مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية.
ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه ليس حجم التحدي، بل طبيعة الرد. فقد اختار الرئيس الغزواني نهجًا مغايرًا لما قد تفرضه اللحظة من ردود فعل متسرعة. لم تنجر موريتانيا إلى التصعيد، ولم تسقط في فخ الاستدراج نحو مواجهة مفتوحة مع واقع أمني معقد ومتشابك، خاصة في ظل وجود أطراف غير تقليدية في المشهد، من مجموعات مسلحة إلى قوى أجنبية تنشط داخل الأراضي المالية.
لقد أدركت القيادة الموريتانية، بعمق استراتيجي، أن الحروب في مثل هذه السياقات لا تُحسم بسهولة، ولا تُكسب فيها المعارك بالوسائل التقليدية، بل تتحول إلى استنزاف طويل الأمد، يهدد الدول في أمنها واستقرارها ووحدتها الداخلية. ومن هنا، جاء الخيار الرئاسي واضحًا: حماية موريتانيا أولًا، وتحييدها عن صراعات لا أفق لها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جاهزية الدولة وقدرتها على الدفاع عن سيادتها دون تهور.
هذا التوازن الدقيق بين الحزم والهدوء، بين اليقظة وضبط النفس، هو ما جعل موريتانيا اليوم تقف على أرض صلبة، بينما تتقاذف الأزمات عدداً من دول الساحل. فبينما شهدت المنطقة موجات من الانقلابات العسكرية والانهيارات الأمنية، ظلت موريتانيا محافظة على استقرارها السياسي، وتماسكها المؤسسي، بفضل رؤية قيادة تضع المصلحة العليا فوق الاعتبارات الظرفية.
ولم يكن هذا النهج وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسة إقليمية متزنة، جعلت من موريتانيا فاعلًا مسؤولًا، يسعى إلى التهدئة بدل التأزيم، وإلى بناء الجسور بدل إشعال الجبهات. وفي هذا السياق، فإن التعامل مع الأزمة على الحدود مع مالي يعكس نضجًا سياسيًا، وإدراكًا عميقًا لتعقيدات المشهد في منطقة الساحل.
إن ما تحقق اليوم من تجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب مفتوحة، في بيئة قابلة للاشتعال، ليس أمرًا عابرًا، بل هو إنجاز استراتيجي بكل المقاييس. فالحروب، كما أثبتت تجارب المنطقة، تبدأ بخطأ في التقدير، وتنتهي بكلفة باهظة لا يمكن التحكم فيها.
وعليه، فإن القراءة الموضوعية لما جرى ويجري على الحدود الشرقية، تقود إلى نتيجة واضحة: أن موريتانيا نجت من سيناريوهات قاتمة، بفضل قيادة اختارت الحكمة بدل المغامرة، والتبصر بدل الانفعال. وهي معادلة لا ينجح فيها إلا رجال دولة يدركون أن قوة القرار لا تقاس بحدة الرد، بل بالقدرة على حماية الوطن من المخاطر.
في زمن الاضطراب، تصبح الحكمة عملة نادرة… وقد كانت موريتانيا محظوظة بقيادة جعلت منها حصنًا للاستقرار، في محيط تعصف به الرياح.

