
لست بحاجة أن أذكر الروابط القوية والضاربة في عمق التاريخ التي تربطني بالعلامة عبد الله بن بيه، حفظه الله و رعاه. وهي روابط تتعانق فيها المحبة الخالصة والمودة والإحسان والاعتبار.. علاوة على علاقته الخاصة بأقرانه من أسرتي (العلامة القاضي عبد الرحمن والأستاذ الفقيه الطيب، رحمة الله عليهما)؛ فإني شخصيا مدين له - مع الراحل أحمد ولد محمد صالح - بمعظم ما تلقيته من تدريب وتمرين وتكوين في شؤون الدولة.. هو، على وجه الخصوص، هو معلمي و المؤطر والموجه الحقيقي لمسيرتي السياسية. لقد منحني ثقته وجعلني "مكلفا بمهمة" في ديوانه الزاخر بالعلم والعطاء، ثم "أمينا عاما" لوزارته السامية، وأنا في الرابعة والعشرين من عمري. وسمحت لي معاشرته بالاطلاع على شخصيته الفذة، وقياس مدى تقدمه على زمنه وما حباه الله به من علم وفضل وحكمة وذكاء ومواهب فطرية .. أدركت السلف يقول: "ويلٌ لمن سبقه زمنه، وويلٌ لمن سبق زمنه". والشيخ عبد الله بن بيه سبق زمنه .. أذكر أنه كان يحدثنا في منتصف سبعينات القرن الماضي عن تيار "العولمة" ويدعو "للأصالة والتقبل"، وعن مفهوم"حقوق الانسان"، و"حقوق المرأة والنهوض بها"، و"المساواة والاشتراكية في الإسلام ".. وله محاضرة شهيرة في معنى الحديث النبوي الشريف : الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار".. باختصار شديد، العلامة عبد الله بن بيه كان وما زال ينظر ببصيرته إلى أبعد وأعمق مما ينظر إليه بصر أهل زمنه.
شخصيا، لا أخفي على أحد أنني مدين له بالإخلاص والوفاء والامتنان، ولذلك قد لا تقبل شهادتي ولا يسمع قولي؛ ولكن من حقي أن أحتار وأندهش لما أسمعه وأراه من تجاوز في حقه، و من خروج عن آداب المناظرة والخلاف. وأرى أن ما يتعرض له حاليا - وقد تعرض له غيره وسوف يتعرض له أعيان وعظماء البلد - يؤكد قول الإمام الشافعي، رحمه الله:
اِرحَل بِنَفسِكَ مِن أَرضٍ تُضامُ بِها
وَلا تَكُن مِن فِراقِ الأَهلِ في حُرَقِ
فَالعَنبَرُ الخامُ رَوثٌ في مَواطِنِهِ
وَفي التَغَرُّبِ مَحمولٌ عَلى العُنُقِ
وَالكُحلُ نَوعٌ مِنَ الأَحجارِ تَنظُرُهُ
في أَرضِهِ وَهوَ مُرميٌّ عَلى الطُرُقِ
لَمّا تَغَرَّبَ حازَ الفَضلَ أَجمَعَهُ
فَصارَ يُحمَلُ بَينَ الجَفنِ وَالحَدَقِ
في موريتانيا على وجه الخصوص، كن عالما ومفكرا ومجددا وكاتبا، أو شخصية فذة ومتميزة في أي مجال من المجالات، أو عنبرا خاما أو مسكا أو حجرا كريما .. فإنك ستبقى في أعينهم مجرد عود من حطبها ..
فليكن الأمر كذلك، يبقى العلامة عبد الله بن بيّه بحق عودا من شجرةٍ نبيلةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء، تمتدّ جذورها في تربة العلم الراسخ، وتُثمر حكمةً وبصيرة واعتدالا. هو معدن نفيس صاغته المعرفة الطويلة، والتجربة العميقة، والتجرد في خدمة الفقه والفكر والإصلاح، حتى غدا منارة يهتدي بها السائرون في دروب الاجتهاد والنظر... وإذا كان لبعض الناس أن يُقاسوا بأزمانهم، فإن أمثاله يُقاس بهم الزمن نفسه؛ إذ يضيفون إليه عمقا ورشدا واتزانا.�نسأل الله أن يحفظه ويبارك في علمه وعمره، وأن يجعل ما قدّمه من علمٍ ونصحٍ وإرشادٍ في ميزان حسناته، وأن ينفع به البلاد والعباد، ما تعاقب الليل والنهار.

