بين ثوابت الدولة ومرونة الدستور: رؤية للإصلاح الدستوري

إذا كان يُرتجى من الحوار المتعثر بين أحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة أن يفضي إلى نتيجة مفيدة، فإن من أولى القضايا التي ينبغي أن يتناولها مراجعة بعض المواد المحصنة أو الجامدة في الدستور الحالي، وإعادة النظر فيها بما يزيل ما قد تفرضه من قيود لم تعد منسجمة مع التطور الدستوري والسياسي، ولا مع ما استقرت عليه النظم الدستورية الحديثة والديمقراطيات العريقة، كالولايات المتحدة وغيرها.
ومن بين هذه القضايا، اشتراط سن معينة للترشح لرئاسة الجمهورية. فمثل هذا القيد قد يحرم البلاد من الاستفادة من خبرات سياسية وإدارية متراكمة اكتسبها أشخاص ما زالوا قادرين على العطاء، لمجرد بلوغهم سنًا محددة. والأجدر أن يكون معيار الأهلية هو القدرة العقلية والجسدية والكفاءة، لا السن المجردة، إلى أن يبلغ الإنسان مرحلة متقدمة يصبح معها العجز أو الخرف ظاهرًا.
وقد أشار الشاعر إلى ما يعتري الإنسان في الكبر بقوله:
سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعشْ
ثمانين حولًا لا أبا لك يسأمِ.
كما أن القرآن الكريم لم يجعل للرشد نهاية محددة، وإنما أشار إلى اكتمال النضج بقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ...﴾ [الأحقاف: 15].
إن تطور الحياة وتجدد متطلباتها يقتضيان أن تكون القوانين والأنظمة مرنة وقابلة للمراجعة، حتى تظل مواكبة لاحتياجات المجتمع، بعكس الجمود الذي قد يجعلها متأخرة عن واقع الناس. أما النص القرآني، فهو وحده المقدس الثابت في ألفاظه، والمتجدد في معانيه، بما أودع الله فيه من سعة تستوعب اختلاف الأزمنة وتطور العلوم ووسائل الفهم.
ومع ذلك، فإن ما يتعلق بثوابت الدولة، وفي مقدمتها النظام الجمهوري والإسلام باعتباره دين الدولة، ينبغي أن يبقى بمنأى عن أي تعديل، باعتباره من الأسس التي يقوم عليها الدستور والكيان الوطني.
ذ/د. محمد كوف الشيخ المصطفى العربي

جمعة, 03/07/2026 - 09:51

إعلانات