
تتوالى اللحظات التي يغدو فيها الصمت جريمة لا تُغتفر، لحظات تتجاوز فيها الكلمات حدود التعبير لتلامس جوهر الوجع الإنساني. في مجتمعاتنا، يتجلى هذا الوجع في مشهد يتكرر بمرارة: خروج شخص أُدين بفساد أو اختلاس للمال العام، ليُستقبل لا بالخزي الذي يستحقه، بل بحفاوة تليق بالأبطال. إنه مشهد لا يمزق نسيج القانون فحسب، بل ينسف منظومة القيم الأخلاقية من جذورها.
في أي مجتمع يحترم ذاته، تكون الإدانة القضائية النهائية وصمة عار اجتماعية تسبق أي عقوبة قانونية. لكن ما نراه هنا، هو تحول غريب ومؤلم؛ فبعض المدانين يخرجون من سجونهم ليجدوا طوابير المهنئين والمستقبلين، وكأنهم عادوا من نصر مؤزر أو إنجاز وطني عظيم، لا من مؤسسة عقابية قضوا فيها جزاءً مستحقًا بموجب أحكام قضائية باتة. أي عبث هذا الذي يقلب الموازين ويخلط الأوراق؟
إن هذا الخلل العميق يطرح سؤالاً وجودياً: كيف يمكن لمجتمع أن يخلط بين التعاطف الإنساني الطبيعي مع شخص قضى عقوبته، وبين الاحتفاء بمن ثبت بالدليل القاطع أنه اعتدى على مقدرات الأمة؟ كيف يسمح ضمير جمعي بتحويل المدان بالفساد إلى شخصية تستحق الزيارات الجماعية، والمصافحات الحارة، والتقاط الصور التذكارية، ونشرها بكل فخر على منصات التواصل الاجتماعي؟ هذا ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو انهيار في بوصلة الأخلاق.
المال العام ليس مجرد أرقام في حسابات بنكية، ولا هو ملك لحكومة أو مسؤول أو مؤسسة. إنه شريان الحياة لكل فرد في هذا الوطن. إنه قوت الأرملة واليتيم، ودواء المريض، ومقعد التلميذ الذي يحلم بمستقبل أفضل، والطريق الذي يربط القرى ببعضها، والكهرباء التي تضيء المدن، والمياه التي تروي عطش العطشى، وفرص العمل التي ينتظرها الشباب. من يختلس هذا المال، لا يسرق نقوداً، بل يسرق أحلاماً، ويغتصب مستقبلاً، ويهدم آمال أمة بأكملها.
ومع ذلك، فإننا نشهد كيف يتعامل بعض أفراد مجتمعنا مع المدانين بالفساد وكأنهم ضحايا مؤامرة، أو أبطال صمدوا في وجه الظلم، متجاهلين الحقيقة الصارخة التي لا تقبل الجدل: أن القضاء، بعد مراحل طويلة من التقاضي والتحقيق، أصدر أحكاماً نهائية تثبت مسؤوليتهم الجنائية. إن احترام دولة القانون يقتضي احترام هذه الأحكام، لا السعي إلى إفراغها من محتواها الاجتماعي والأخلاقي، وتحويلها إلى مجرد حبر على ورق.
الأدهى من ذلك، أن الكثيرين ممن يحرصون على زيارة هؤلاء المدانين لا يكتفون بذلك، بل يتسابقون إلى نشر صورهم معهم، وكأنها وسام شرف يتباهون به. هذه الصور، في حقيقتها، لا ترفع من شأن المدان بقدر ما تكشف عن أزمة وعي جمعي عميقة ومقلقة. إنها رسائل مدمرة للأجيال القادمة، مفادها أن الفساد لا يسقط المكانة الاجتماعية، وأن السجن لا يمنع صاحبه من أن يُستقبل استقبال الأبطال، وأن نهب المال العام لا يحول بين صاحبه وبين التصفيق والاحتفاء .
أي تربية نرجوها لشبابنا حين يرون هذه المشاهد؟ كيف نقنع طفلاً بأن الأمانة فضيلة، وهو يشاهد المجتمع يصفق لمن ثبتت خيانته لها؟ وكيف نطالب الموظف بالنزاهة إذا كان الفاسد يحظى بكل هذا الترحيب بعد خروجه من السجن؟
إن أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع ليس ارتكاب الجريمة، بل تطبيعها وتقبلها. فحين يفقد الفساد كلفته الاجتماعية، ويصبح أمراً مقبولاً أو حتى محتفى به، يصبح القانون وحده عاجزاً عن ردعه. العقوبات القضائية، مهما بلغت شدتها، لا تكفي إذا كان المجتمع يمنح الفاسد ما سلبه القضاء منه من اعتبار واحترام. هذا لا يعني الدعوة إلى التشفي أو حرمان أي إنسان من حقه في بدء حياة جديدة بعد تنفيذ العقوبة، فهذا حق تكفله مبادئ العدالة والإنسانية. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين احترام الكرامة الإنسانية لأي شخص، وبين صناعة بطولة زائفة لمن أُدين بالاعتداء على مقدرات الأمة. فرق بين أن نتركه يعيش حياته بسلام، وبين أن نحوله إلى رمز اجتماعي تُشد إليه الرحال وتُلتقط معه الصور.
إن المجتمع الذي يكرم الفاسدين، أو يتسامح معهم إلى هذا الحد، لا يملك أخلاقياً أن يشتكي من الفساد. لأنه، بوعي أو بغير وعي، يشارك في إعادة إنتاجه وتجذيره. فالفساد لا يعيش بالمال وحده، وإنما يعيش أيضاً بالقبول الاجتماعي، وبالتبرير، وبالتطبيع، وبالتصفيق. إن معركة مكافحة الفساد لا تُخاض في قاعات المحاكم فقط، بل تُخاض في أعماق الضمير الجمعي. تبدأ من الأسرة، ومن المدرسة، ومن المسجد، ومن وسائل الإعلام، ومن كل فرد يرفض أن يجعل من المدان بالفساد قدوة أو رمزاً أو صاحب وجاهة.
أما أن تتحول السجون إلى محطات تعزز الشهرة، وأن تتحول الإدانة إلى مناسبة للتهاني والولائم والتفاخر بالصور، فذلك انقلاب كامل في ميزان القيم، لا يمكن وصفه إلا بأنه انحدار أخلاقي خطير يستدعي وقفة صادقة مع الذات ومراجعة عميقة للمسار.
إن الأمة التي لا تشعر بالخجل من تمجيد من خان أمانتها، أمة تخاطر بأن تجعل الفساد جزءاً لا يتجزأ من ثقافتها، لا مجرد جريمة عابرة في قوانينها.
اللهم إن هذا لمنكر عظيم، فاللهم أيقظ في النفوس ضميرها، وردَّ إلى مجتمعنا ميزان القيم، واجعل الأمانة عزيزة، والخيانة ممقوتة، والنزاهة محل تكريم، لا الفساد
-----------------
م ش م ش

