العفو الخاص قبل استنفاد طرق الطعن: قراءة قانونية/د.ذسيدي محمد محمد الشيخ

يثير صدور عفو رئاسي خاص عن نائبين برلمانيتين،قبل استنفاد جميع مراحل التقاضي، إشكالًا قانونيًا يستحق النقاش بعيدًا عن المواقف السياسية.

فالعفو الخاص، بحسب طبيعته القانونية، لا يلغي الحكم القضائي ولا يمحو الإدانة، وإنما يقتصر أثره - في الأصل - على العقوبة أو تنفيذها، وهو ما يعني بقاء الآثار الأخرى للحكم، ومنها الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، ما لم ينص مرسوم العفو صراحة على خلاف ذلك.

غير أن الإشكال يبرز عندما يصدر العفو بينما لا يزال الحكم قابلًا للطعن بالنقض أمام المحكمة العليا. ففي هذه الحالة يثور التساؤل: هل كان من الأجدر انتظار الكلمة الأخيرة للقضاء، خاصة وأن المحكمة العليا تملك، إذا ثبتت مخالفة القانون، نقض الحكم وإحالته إلى تشكيلة مغايرة بمحكمة الاستئناف، بما قد يفضي إلى نتيجة قانونية مختلفة؟

ويزداد هذا التساؤل أهمية إذا كان المحكوم عليهما لم تطلبا العفو أصلًا، وأعلنتا  رفضه وتمسكهما بحقوقهما في مواصلة المسار القضائي إلى نهايته، باعتبار أن هدفهما ليس إنهاء تنفيذ العقوبة فحسب، وإنما السعي إلى إلغاء الإدانة واستعادة كامل حقوقهما المدنية والسياسية.

ومن زاوية دستورية، يثار أيضًا تساؤل مشروع حول مدى ملاءمة ممارسة سلطة العفو قبل انتهاء الخصومة القضائية. فمع أن العفو يعد اختصاصًا دستوريًا لرئيس الجمهورية، فإن صدوره أثناء استمرار إجراءات الطعن قد يثير نقاشًا حول العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وحول ما إذا كان من الأفضل، تعزيزًا للثقة في العدالة، انتظار الفصل النهائي من المحكمة العليا.

ولا يعني هذا، من الناحية القانونية، أن المحكمة العليا ستكون ملزمة بتأييد قرار محكمة الاستئناف بسبب صدور العفو، إذ يبقى الأصل هو استقلال القضاء وخضوعه للقانون وحده. غير أن المحافظة على هذا الأصل لا تقتصر على استقلال القضاء في الواقع، بل تشمل أيضًا ترسيخ الثقة العامة في حياده، وتجنب كل ما قد يثير انطباعًا لدى الرأي العام بأن نتيجة النزاع قد حُسمت قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق بمشروعية سلطة العفو في ذاتها، وإنما بالتوقيت الذي مورست فيه، ومدى انسجام هذا التوقيت مع مبدأ استنفاد درجات التقاضي، ومع حق المتقاضي في الحصول على حكم نهائي من أعلى جهة قضائية قبل ترتيب الآثار النهائية للإدانة.
رأي قانوني محايد

جمعة, 10/07/2026 - 21:07

إعلانات