
ونحن نتحدث اليوم عن المأمورية الثالثة، وننتظر المؤتمر الصحفي للرئيس، تذكرت ما حكاه العلامة محمد ولد سيدي يحيى عن أحد الصالحين، بأسلوبه المضحك المبكي، المملوء يقيناً ورضاً، حين قيل له يوماً: كيف حال أهلك؟ فأجاب: "لَبَاسْ اعْلِيهمْ، و انَا قَانطْ منْهمْ."
عبارة تحمل نظرة عميقة إلى الدنيا وأحوالها؛ فالرجل لم يكن ينكر محبته لأهله، بل كان يدرك أن لكل صحبة نهاية، وأن الإنسان لا يملك في المطاف الأخير إلا عمله وأثره.
وفي السياق ذاته، تحضرني تلك الرواية التي نقلها العقيد محمد الفايدة عن الملازم إنيّاق مصطفى، أحد أبطال السادس عشر من مارس، فحين سيق إلى الإعدام طلب سيجارة يدخنها، ثم أوصى بأن يكون الرامي ماهراً كي لا يطيل عليه العذاب. كلمات قليلة قيلت في لحظة فاصلة، لكنها كشفت عن ثبات رجل واجه مصيره بعين مفتوحة وقلب مطمئن.
وإذا كانت المواقف تختلف باختلاف الرجال، فإن المشترك بينها يظل واحداً؛ فلحظات الفراق تكشف حقيقة الإنسان وتختزل سنوات طويلة من عمره، ففي تلك الآونة تسقط الزوائد وتبقى الخلاصة.
وهذا المنطق الذي يحكم حياة الأفراد يمتد بالضرورة إلى الدول والعهود السياسية؛ فالتاريخ لا يحتفظ بالسجالات اليومية العابرة، وإنما بالحصاد الأصيل وبما يتركه الرجال وراءهم بعد انقضاء أدوارهم. ولأن الأمر كذلك، فإن الحديث عن المأمورية الثالثة لا ينبغي أن يرتكز على الأشخاص، بل على ما سيتأسس بعد المأموريات؛ إذ كلما دنت نهاية عهد سياسي، تأرجح المقربون منه بين هاجسين: التطلع نحو الخلف، والمحافظة على الاستقرار.
فمنهم من يرى أن التفكير في المرحلة القادمة ضرورة سياسية، ومنهم من يرى أن فتح هذا الباب مبكراً قد يضعف السلطة ويشغل الناس بما بعدها أكثر من انشغالهم بها.
ولعل ما يثار أحياناً حول المأمورية الثالثة يدخل في هذا السياق أكثر مما يدخل في إطار الخيارات السياسية الواقعية؛ إذ يراه بعض المقربين من السلطة وسيلة للمحافظة على شعور الاستقرار وتأجيل أسئلة ما بعد العهد، بينما تبقى القيمة الحقيقية لأي حكم في قوة ما يتركه من مؤسسات، لا في طول مدته.
ولهذا تصف الأدبيات السياسية الأمريكية الرئيس في نهاية ولايته بـ"البطة العرجاء"، في إشارة إلى انصراف الأنظار تدريجياً نحو المرحلة التالية.
وهنا يستدعي الوجدان الثقافي ذلك "لگْطاعْ" الشهير بين الأمير سيد أحمد والشاعر محمد ولد هدار؛ فعندما أشار الشاعر إلى عرج الأمير، بادره سيد أحمد بكلمته المأثورة: "فتْصلنَ عندْ لكْراعْ"، لينهي بهذه العبارة المقتضبة الجدل والحرج معاً، ويعيد النقاش إلى الأهم.
ولعل السلطة تواجه في سنواتها الأخيرة وضعاً مشابهاً؛ إذ ليس التحدي في الخوض حول هوية من يأتي بعد الحاكم، ولا في الانشغال الدائم بتمديد اللحظة السياسية أو إعلان نهايتها، وإنما في صون استقرار الدولة وتشييد ما يستحق البقاء؛ فالناس لا يذكرون من كان الأقرب إلى سدة الحكم أو الأسبق إلى إعلان الولاء، بقدر ما يذكرون متانة المؤسسات، وتخفيف الأعباء، والآفاق المفتوحة لمن يستلم الزمام.
من هذا المنطلق، يكتسب الحديث عن الإرث قيمته الحقيقية؛ فالبصمة لا تقاس بعدد التدشينات الروتينية، بل بحجم المعضلات التي امتلك القائد الجرأة لتفكيكها، والعقد التي نجح في حلها كي لا تنتقل أعباءً إلى خلفه. وتأتي في طليعة تلك المعضلات العلاقة المرتبكة بين الإدارة والضغوط الاجتماعية أو الانتخابية؛ إذ لا تستقيم الدولة إلا بإدارة معيارها الكفاءة الصرفة. ويُروى في هذا الصدد أن بعض أعيان الصحراء طلبوا من الملك الحسن الثاني تعيين أبنائهم في مؤسسة الفوسفاط، فأجابهم بما معناه أن المؤسسة تحتاج إلى ذوي الأهلية، أما حق المواطنين على الدولة فيتحقق بالتنمية وخلق الفرص، لا بمحاصصة الوظائف.
ومع تحرر الإدارة من هذه الكوابح، أرى أنه من باب اختيار المشاريع لنهاية المأمورية - أي الانتقال إلى "الجانب العملي" المتمثل في التخطيط الاستراتيجي - أن يتم التركيز على خيارات وطنية كبرى، من بينها:
مشروع "الطفل ابن الوطن"، بوصفه استثماراً عميقاً في الإنسان عبر حماية الناشئة من التسرب والانحراف والمخدرات، وترسيخ قيم الانتماء، بحيث يشعر الطفل منذ سنواته الأولى برابطة المواطنة الجامعة قبل أي انتماء جهوي أو قبلي ضيق. ومن هذا المنطلق الفكري، تكتسب منظومة الخدمة الوطنية والخدمة المدنية أهميتها كفضاء لإعادة بناء الوعي، والتربية على الانضباط والمسؤولية، والارتقاء بالأمن التعليمي.
ومن بينها أيضاً ورشة "الجيش الغذائي"، كأداة سيادية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ووسيلة مثلى لدمج الطاقات الشبابية المعطلة في الإنتاج، مع استثمار خبرات الضبط والربط لدى العسكريين المتقاعدين في التأطير والإشراف الميداني، بما يحول السواعد إلى قوة ميدانية تخدم البلاد وتراعي النظم القانونية.
وفي المسار التنموي، يمثل التوجه نحو مشاريع الطاقة والاتصالات الحديثة، واعتماد رؤية "السكك الحديدية قبل الطرق" البرية الكلاسيكية، العصب الأساسي للنمو الاقتصادي طويل المدى، الذي يربط مناطق الإنتاج بمنافذ التصدير ويفتح آفاقاً جديدة للتصنيع.
ويتكامل هذا التصور الدفاعي والسيادي مع "مشاريع حفر مدن صغيرة ومحصنة تحت الجبال"، استلهاماً من عبقرية التحصين الاستراتيجي المنبثقة من "نظرية سلمان الفارسي"، لضمان الأمن القومي. وتكتمل الرؤية بـ"اختيار مواقع المدن وفق معايير اقتصادية" وجيوسياسية واضحة، تنشأ بموجبها الحواضر الحديثة حيث تتوفر الموارد والإمكانات الحقيقية للبلاد، لا حيث تفرضها الولاءات العابرة أو التوازنات الآنية.
إن قراءة التاريخ الوطني القريب تثبت أن استهلاك طاقة الدولة في سجالات التمديد والمأموريات الالتفافية - كما جرى في عهود سابقة - هو خيار لم يعد يحتمل العود على بدئه؛ فالقائد الذي تسعفه خلفيته العلمية والدينية، وتحميه عقيدته العسكرية من قلق الفراغ، وتلهمه ثقافة الإمارة العريقة معاني الترفع والأنفة، يدرك يقيناً أن المخرج المشرف ليس في إطالة أمد السلطة، بل في صون أمانتها والتأسيس لـ"الخروج الكبير" من الباب الملكي.
إن أعظم ما يمكن أن يودع به هذا القائد شعبه، ليس خطاباً مؤثراً ولا احتفالاً مهيباً، بل دولة أكثر قدرة على العطاء، ومؤسسات عابرة للأشخاص، ومشروعات سيادية تستمر بعد انتهاء المأموريات، وأمل يتوارثه الناس جيلاً بعد جيل.
ذلك هو الأثر الذي يبقى، وذلك هو الوداع الذي يحفظه التاريخ.
محمد الأمين لحويج

