
في الاقتصادات الليبرالية، تُنفَّذ السياسات الاقتصادية القائمة على العجز العمومي بالتنسيق مع البنك المركزي، الذي يضطلع بدور أساسي في صياغة سياسة نقدية تسهّل وصول القطاع الخاص (الأسر، البنوك، شركات التأمين، خدمات الوساطة المالية، الشركات غير المالية) إلى الائتمان، بهدف تحقيق استقرار الأسعار والعمالة الكاملة.
على سبيل المثال، في الاتحاد الأوروبي، يقوم البنك المركزي بشراء السندات الحكومية، مما يزيد الكتلة النقدية ويُسهّل حصول الفاعلين الاقتصاديين من القطاع الخاص على القروض بشروط ميسّرة، و يُعزِّز الشمول البنكي (inclusion bancaire).
بمجرد تجاوز الركود ، يُعاد قدر الإمكان الانضباط المالي (discipline budgétaire) دون التخلي عن المرونة النقدية.
أما في الاقتصادات الريعية(économies de rente)، فإن الدولة تستحوذ على الائتمان الموجّه للاقتصاد (crédit à l’économie) وتمنح نفسها أيضًا صلاحية الاقتراض المباشر من البنك المركزي، بما يؤدي إلى إقصاء القطاع الخاص (éviction du privé) من التمويل.
العلاقة السببية بين استحواذ الدولة على الائتمان الموجَّه للاقتصاد واقتراضها من البنك المركزي من جهة، و بين إقصاء القطاع الخاص بما يحول دون حصوله على فرص الاستثمار من جهة أخرى، تبدو غير جلية في البداية.
لكن يجب افتراض أننا بالفعل في اقتصاد ريعي، أي اقتصاد يقوم حصريًا على تصدير المواد الأولية وتوجيه نسبة كبيرة من عائدات الصادرات لدعم تمويل واردات حاجات السكان من المواد الغذائية الأساسية وتغطية الإيرادات التحويلية (revenus de transfert) لصالح الفئات الهشة على حساب الإيرادات الإنتاجية ( (revenus de production التي تُعَدّ أساس التنمية المستدامة.
يجب أيضًا ملاحظة حقيقة واقعية، وهي أن هذه الاقتصادات تعاني من تدهور هيكلي في موازينها التجارية (balances commerciales).
هذا التدهور يعزى بدرجة معتبرة إلى الصدمات الخارجية المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف، والتي غالبًا ما تكون غير مواتية لأسعار بيع المواد الأولية عند التصدير ويُشكّل الانخفاض الحاد في أسعار الكاكاو (Cacao) في بورصات السلع، بما يزيد على 70%، والتحوّل الملحوظ في الاقتصاد العالمي باتجاه استغلال المعادن النادرة على حساب المعادن الكلاسيكية والتوجه الجديد نحو التكنلوجيا ذات التقنيات المتطورة ،أمثلة دالة على ذلك، إذ تبرز بوضوح الآثار السلبية المترتبة على هشاشة البنية الاقتصادية في الدول الريعية أمام تقلبات الأسواق العالمية ناهيك عن الأزمة الدولية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، بما لها من انعكاسات مباشرة على حركة التجارة العالمية وعلى اضطراب التدفقات المالية المرتبطة بها.
هذه الدول مثقلة بالديون، وهذه الديون تتواصل وتتفاقم عامًا بعد عام، وهو ما يفسر الطابع المتكرر لاعتماد سياسات اقتصادية قائمة على العجز العمومي، مدعومة باقتراض الدولة سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي.
وإذا كان الاقتراض على الصعيد الدولي رغم عـلَّاته يجد صدىً إيجابيًا لدى المؤسسات المخصصة لذلك (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، المانحون الثنائيون....إلخ)، فإن غياب الأسواق المالية في الدول الريعية يحرمها من إيجاد فرص اقتراض محلية ، مما يبرر طرح السؤال التالي: كيف إذن تلجأ هذه الدول إلى الاقتراض محليًا؟.
إنها تقترض محليًا من خلال بيع أذون الخزينة (bons du trésor) عبر نظام المزايدة تحت إشراف البنوك المركزية ، سعيًا إلى امتصاص سيولة القطاع الخاص، وما يترتب على ذلك مباشرة من دفع معدل السوق النقدي نحو الارتفاع وهو ما يؤدي عمليًا إلى حرمان الفاعلين الاقتصاديين الخصوصيين من الوصول إلى الائتمان ، كل ذللك بالتوازي مع استحواذ الدولة على الموارد المالية الموجهة للاقتصاد ، ولتعزيز هذا الاحتكار وإكمال إقصاء القطاع الخاص، تُنشأ علاقة بين البنوك المركزية كدائنين مموِّلين ، وبين الدول كمدينين مُقْتَرِضين.
إن الإقصاء المنهجي للقطاع الخاص، الذي وثّقته بما فيه الكفاية التجارب التاريخية للاقتصادات الريعية، يفسر عجز هذه الدول عن تجاوز الركود الاقتصادي استنادا إلى الإنفاق العمومي.
ففي هذه الاقتصادات، يُعاد عامًا بعد عام إنتاج نفس السياسة الاقتصادية القائمة على إقصاء القطاع الخاص، رغم أنه يُعتبر محركًا للنمو، وانحياز متزايد لأهداف السلطة السياسية من طرف البنك المركزي، الذي يفضّل لعب دور "الصندوق" و"الوكيل المالي" للدولة على حساب مهامه الأخرى المتمثلة في استقرار الأسعار وتحقيق العمالة الكاملة ، وبفعل الاستمرار في نفس النهج، يصبح البنك المركزي منشغلاً أكثر بدعم الطموحات السياسية للسلطة القائمة المبطل للأثر المضاعف ((effet multiplicateur المرجو من زيادة الإنفاق العمومي في تحسين التشغيل والدخل.
عندها يحلّ محلّ القطاع الخاص موظفون عموميون أصبحوا وحدهم معنيين بتنفيذ وتسيير السياسة الاقتصادية، وسرعان ما يجدون في مهمتهم فرصة لتحقيق مكاسب فردية، فنشاهد انتشار مقاولين صوريين سرعان ما يرتبطون فعليا (de facto) بالمكلفين بتطبيق السياسة الاقتصادية في علاقة تشبه علاقة الشريك الموصي (commanditaire)بالشريك المتضامن .(commandité)
مع مرور الزمن، تقام بين الشركاء الفعليين (الموصين والمتضامنين) روابط منحرفة لكن مُقَنَّعة من خلال مخططات قانونية معقدة (montages juridiques complexes)تؤدي إلى تبديدٍ ممنهج للنفقات العمومية، تلك النفقات التي تُخصَّص نظريا للمشاريع الكبرى وأوراش التنمية دون تنفيذ فعلي.
من سنة إلى أخرى، يُعاد إنتاج نفس الانحرافات، مع سياسةٍ ميزانية أكثر شراهة في استهلاك الأموال العامة، وبنكٍ مركزي أكثر خضوعاً للسلطة السياسية المهيمنة، وقطاعٍ خاصٍّ يزداد تهميشاً أو يُعاد توجيهه نحو المقاولات من الباطن التي لا تُنتج ثروةً ولا تُوفّر فرص عمل، إذ غدت وظيفتها الأساسية تنحصر فى تبييض أموال النفقات العمومية المنحرفة عن مقاصدها الأصلية.
للحفاظ على وضعهم المتميّز، ينتهي الأمر بهؤلاء المقاولين وبشركائهم الفعليين إلى تجاهل جميع آليات الرقابة المضادّة، والانخراط في عملية انحراف المؤسسات والسعي وراء إرساء مبدأ الدولة السلطوية.
ير تقب، ابتداءً من هذه اللحظة، انقلاب يبرّر مدبّروه تدخلهم بادعاء مكافحة الفساد وسوء التسيير، قبل أن يعيدوا إنتاج أنماط الحكم السابقة، مستفيدين من تراكم خبراتها وتوظيفها بدل التخلّي عنها.
وهكذا فإن الاعتماد المطلق على الهيمنة الميزانية يؤدى إلى:
ـ احتكار الدولة للائتمان الموجّه إلى الاقتصاد.
ـ إخضاع البنك المركزي لطموحات السلطة السياسية الحاكمة.
ـ إقصاء القطاع الخاص من دائرة التمويل.
ـ تفاقم الفقر، تفشّي البطالة، اهتزاز البنية المؤسسية، إرساء الدولة السلطوية، وتوالي الانقلابات.
* محام.
*عضو سابق في مجلس هيئة المحاماة الوطنية.

