
السيد الرئيس المحترم، لاينتظر منكم
الموريتانيون فى مؤتمركم الصحفي، الذي يترقبونه باهتمام كبير، سرد قوائم الإنجازات، واستعراض الأرقام الضخمة التي اعتادوا سماعها، بينما لا يجد كثير منهم أثرها في واقعهم المعيشي. فما يبقى في ذاكرة الشعوب ليس كثرة الأرقام، وإنما القرارات التي تغيّر مسار الأوطان.
لذلك، أتمنى عليكم فخامة رئيس الجمهورية أن يكون هذا المؤتمر الصحفي، نقطة تحول حقيقية في شكل ومضمون المؤتمرات الصحفية لرؤسائنا، وأن تعلن بوضوح أن ما تبقى من مأموريتكم الأخيرة سيُكرَّس لإصلاحات وطنية كبرى، تعالج جذور الأزمات بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها.
وفي مقدمة هذه الإصلاحات، تأكيدكم رسميا على إعادة تأسيس الدولة على أسس المواطنة الكاملة، بعيدا عن أي شكل من أنماط التراتبية المجحفة، بحيث يصبح جميع الموريتانيين متساوين في الحقوق والواجبات والفرص، وتُطوى -إلى غير رجعة- كل أشكال التراتبية والإقصاء والتمييز، التي أضعفت الثقة بين الدولة ومواطنيها، وأعاقت قيام دولة العدل والمؤسسات.
كما أتمنى أن تعلنوا عن إصلاح انتخابي شامل يضمن انتخابات نزيهة وشفافة، تشرف عليها مؤسسات مستقلة تحظى بثقة الجميع، وتؤسسوا لمرحلة يصبح فيها الوصول إلى رئاسة الجمهورية حقاً مكفولاً لكل مواطن عبر صناديق الاقتراع وحدها، بعيداً عن أي تأثير غير سليم للحكومة ومؤسساتها وللوجهاء ومشتري الذمم بالمال العام أو الخاص، والترغيب والترهيب.
فاستقرار الدول الحديثة لا يتحقق إلا عندما تكون السلطة ثمرة للإرادة الشعبية الحرة.
وأتمنى أن تعلنوا -كذلك- حرباً حقيقية على الفساد، لا تستثني أحداً ولا تخضع لحسابات النفوذ، وأن تقرنها بإصلاح جذري للإدارة، حتى تتحول من جهاز يرهق المواطن إلى مرفق عمومي يخدمه بكفاءة ونزاهة واحترام.
أما الحديث عن الإنجازات والأرقام، فأرجو أن يترك مكانه للحديث عن المستقبل. إن الأرقام التي لا يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية لا تصنع الثقة، والمشاريع التي لا تنعكس عدالةً وخدماتٍ وفرص عمل، تبقى مجرد بيانات في التقارير الرسمية.
التاريخ لا يتذكر الرؤساء بعدد المؤتمرات الصحفية التي عقدوها، ولا بحجم الأرقام التي أعلنوها، وإنما يتذكرهم بالقرارات الشجاعة التي نقلت أوطانهم من مرحلة إلى أخرى. وما تزال أمامكم السيد رئيس الجمهورية فرصة لأن تجعلوا ما تبقى من مأموريتكم مرحلة تؤسس لدولة المواطنة، دولة القانون، ودولة المؤسسات، وهي المكاسب التي ستبقى بعد أن تنتهي كل المأموريات.

