بين إدارة الواقع وصناعة المستقبل: قراءة في اللقاء الصحفي لرئيس الجمهورية

 

أرى أن خطاب فخامة رئيس الجمهورية يمثل خطوة إيجابية، لأنه أتاح للمواطنين فرصة للتعرف على الرئيس بصورة أكبر، من خلال أسلوبه في الإجابة ورؤيته لعدد من القضايا الوطنية. وفي المقابل، أعتقد أن من واجبنا نحن أيضًا أن نُعرّف الرئيس على أفكارنا ورؤانا ومقترحاتنا، لأن بناء الدولة مسؤولية مشتركة بين القيادة والمجتمع.

من خلال المؤتمر، بدا واضحًا أن الرئيس مطلع على كثير من الملفات والمشاريع، ويتابع ما يجري داخل مؤسسات الدولة، وأن هذه القضايا تُناقش مع الوزراء والمسؤولين التنفيذيين.

لكنني أرى أن هناك فرقًا مهمًا بين معرفة تفاصيل المشاريع، وبين امتلاك رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فالمسؤولون التنفيذيون يقدمون معلومات مرتبطة بالتنفيذ، مثل نسب الإنجاز والعراقيل والحلول العملية، وهي معلومات ضرورية لإدارة الدولة. أما الرؤية الاستراتيجية فتحتاج إلى الاستماع إلى المفكرين والخبراء وأصحاب الرؤى، لأن دورهم يتجاوز وصف الواقع إلى استشراف المستقبل، وتحليل التحديات، واقتراح البدائل.

ومن هنا أطرح سؤالًا أراه أساسيًا: هل لدى رئيس الجمهورية منظّرون ومستشارون استراتيجيون من خارج الجهاز التنفيذي؟ وهل توجد قنوات مؤسسية دائمة للاستماع إلى المفكرين وأصحاب الرؤى المستقلة؟

في رأيي، هذه من أهم الصفات التي ينبغي أن تتوفر لدى أي رئيس يريد بناء دولة حديثة، لأن الإدارة تدير الحاضر، بينما الفكر الاستراتيجي يصنع المستقبل.

وقد لفت انتباهي حديث الرئيس عن أهمية النقد البنّاء، وترحيبه بالنقد الذي يقدم حلولًا عملية. وهذه رسالة إيجابية، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية من خلال إنشاء آلية واضحة تستقبل الأفكار والمقترحات، وتضمن دراستها والاستفادة منها عندما تكون ذات قيمة.

وأتحدث هنا من واقع تجربة شخصية، فقد قدمت عدة استراتيجيات ورؤى، من بينها رؤية حول الحوار الوطني، وأخرى حول ما أسميته "النخبة الصامتة"، كما قدمت إلى بعض الوزارات رؤى في مجالات متعددة. وقد وجدت أن التحدي الأكبر ليس دائمًا في غياب الأفكار، بل في غياب آلية مؤسسية تتابع هذه الأفكار وتحولها إلى برامج قابلة للدراسة والتنفيذ.

وفي حديث الرئيس عن الوحدة الوطنية، وتعزيز الانتماء للوطن، وترسيخ دولة المؤسسات والعمل المؤسسي، أرى أنه تطرق إلى قضايا تمثل جوهر بناء الدولة. فهذه الملفات لا تقل أهمية عن المشاريع الاقتصادية، لأنها تشكل الأساس الذي تقوم عليه التنمية والاستقرار.

لكن تحقيق هذه الأهداف الكبرى يحتاج إلى أكثر من الخطاب؛ فهو يحتاج إلى استراتيجيات واضحة، وخطط تنفيذية، ومؤشرات يمكن من خلالها قياس النتائج.

وفي مجال تعزيز المواطنة، أرى أن مشروع "الطفل ابن الوطن" الذي أعددته يمكن أن يكون من المشاريع الوطنية المهمة، لأنه ينطلق من قناعة بأن بناء المواطن يبدأ منذ الطفولة، عبر الأسرة والمدرسة والإعلام، من خلال غرس قيم الانتماء، واحترام القانون، والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن.

كما أرى أن هذه المأمورية تحتاج إلى ما أسميه "مشاريع الخروج الملكي"، وهي مشاريع سيادية كبرى تحمل رؤية استراتيجية واضحة، وتكون عنوانًا لهذه المرحلة، ليس فقط من حيث حجمها، بل من حيث أثرها في بناء الدولة والمجتمع.

فالمشاريع التاريخية ليست فقط تلك التي تبني المنشآت، بل تلك التي تبني الإنسان، وتعزز المواطنة، وترسخ دولة المؤسسات، وتترك أثرًا يتجاوز فترة الحكم إلى أجيال قادمة.

وأخيرًا، أرى أن محاربة الفساد يجب ألا تقتصر على الفساد المالي والإداري فقط، بل يجب أن تشمل أيضًا الفساد الأخلاقي والاجتماعي، لأن القيم هي أساس قوة المؤسسات.

ومن المقترحات العملية إعداد دليل وطني للسلوك المهني والأخلاقي يوجه إلى الوزراء، وكبار المسؤولين، والمديرين، والولاة، والنواب، والعمد، وسائر شاغلي الوظائف العمومية، يحدد قواعد التعامل، وأخلاقيات الوظيفة، ومعايير النزاهة والانضباط واحترام القانون.

إن بناء دولة المؤسسات لا يتحقق بالقوانين وحدها، ولا بالمشاريع الاقتصادية فقط، بل يحتاج إلى الاستثمار في الإنسان، وترسيخ ثقافة المواطنة، وفتح المجال أمام أصحاب الأفكار للمساهمة في صناعة المستقبل.

فالدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى منظومة تنفيذ تنجز المشاريع والقرارات، بل تحتاج قبل ذلك إلى منظومة تفكير تصنع الرؤية، وتستشرف المستقبل، وتقدم الحلول، وتساعد على اتخاذ القرارات المبنية على المعرفة والخبرة.

وهذا هو النقد الذي أؤمن به: نقد لا يكتفي بتشخيص المشكلات، بل يقدم حلولًا ورؤى، ويسعى إلى المساهمة في بناء موريتانيا أكثر قوة وعدلًا ومؤسساتية.
محمد الأمين لحويج

سبت, 25/07/2026 - 15:53

إعلانات