التضخم! أهو حتمية لا مفر منها؟   ذ/ الطالب أخيار ولد محمد مولود

 

التضخم ينزع عن المجتمع إنسانيته من خلال إبراز غريزة البقاء، ويعيد توزيع الثروة بشكل اعتباطي، ويشوّه العملة الرسمية التي تفقد دورها كوسيط للتبادل، لصالح العملات الأجنبية، بل ويمكن أن يعيد الاقتصاد إلى عصر المقايضة.
نقلت جريدة وول ستريت جورنال wall street journal ـ جريدة اقتصادية بامتيازـ في عددها الصادر بتاريخ 13 أغسطس 1985 شهادة أحد الموظفين البوليفيين إبّان التضخم  الذي ضرب بلاده في الثمانينيات، حيث قال: «لقد أصبحنا قصيري النظر: لا نفكر إلا في تحويل كل بيسو(العملة البوليفية) إلى دولارات».
في السياق نفسه، صرّح آخر قائلاً: "لم نعد ننتج شيئاً، لقد أصبحنا جميعاً مضاربين نقديين" ونسبت الصحيفة إلى آخر قوله: "لم يعد الناس يعرفون ما هو الصواب وما هو الخطأ، لقد أصبحنا مجتمعاً لا أخلاقياً…" وتنقل الجريدة بعض التصاريح على النحو التالى:  "في سبيل البقاء، لم يعد أي موظف يمنح استمارة دون رشاوى… العمال يتنقلون من إضراب إلى إضراب ويحوّلون أموال شركاتهم، فيما يقوم المسؤولون بتهريب جزء من الإنتاج إلى الخارج أو بواسط قروض وهمية… أي شيء للحصول على دولارات لأغراض مضاربة… وفي مناجم الدولة، كان العمال يتقاضون أجورهم عبر إخراج المعادن الأكثر قيمة بشكل غير قانوني وتسليمها لشبكات التهريب…"  
التضخم وصفه الإقتصاى البريطاني الشهير "كينز" Keynes  بأنه "نظام" يعمل على "إفقار الكثيرين"، لصالح قلّة من الأشخاص الذين يحققون ثراءً "لا يضرّ بالأمن العام فحسب، بل يقوّض أيضاً الثقة التي كانت قائمة في عدالة توزيع الثروات "، و يواصل بالقول "هو (التضخم) نظام تصبح فيه "وسائل الثراء أشبه بلعبة حظ، أو خوض غمار اليانصيب". (جون ماينارد كينزJon Meynard Keynes، الآثار الاقتصادية للسلام، ص 119).
 التضخم يتجلّى في تكاليف الغذاء، في نفقات النقل، في ميزانيات التعليم، في كلفة الرعاية الصحية.........إلخ، فهو إشكال بنيوي يستدعي مواجهة مباشرة، عبر أدوات تشريعية واقتصادية فعّالة، لمكافحة هذا الخلل الذي ينهك القدرة الشرائية، ويفاقم معدّلات البطالة التي ينظر إليها اليوم باعتبارها شكلاً من أشكال المعاناة الاجتماعية، إذ إنّ الحصول على عمل أصبح مساراً شاقّاً بفعل حجب المعلومات، وضعف الشفافية في المسابقات، وإنتاج شهادات صورية لتوفر صناعة واسعة للتزوير في هذا المجال. 
البطالة، فضلاً عن ذلك، تمثل هدراً للموارد، وتكشف عن قصور في الكيفية التي تُوظَّف بها اليد العاملة داخل الاقتصاد.
وقد بيّن الاقتصادي الأميركي  آرتور أوكون (Arthur Okun)، الذي شغل منصب مستشار للرئيس الأميركي  الراحل جون كينيدي، من خلال القانون الذي يحمل اسمه (قانون أوكون loi Okun)، أنّ ارتفاع معدّل البطالة يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسب مقلقة، حيث إنّ  زيادة بمقدار 1% في معدل البطالة تفضي إلى تراجع النمو الاقتصادي بمقدار 2%. وبناءً على هذا القانون، فإنّ العلاقة بين البطالة والناتج المحلي الإجمالي علاقة سلبية، يمكن أن تنتهي، بحسب شدتها، إلى حالة ركود اقتصادي حقيقي.
إن أول قيد في مجال مكافحة التضخّم يتمثّل، على وجه التحديد، في ضبط الكتلة النقدية؛ وهو ضبط يتيح استقرار الأسعار، ويؤمّن نموًّا مستدامًا، ويسهم في تحسين مستوى التشغيل.
أما القيد الثاني، الذى لا يقلّ أهمية، فيكمن في ضرورة تجاوز الحلول التقليدية التي تقتصر على زيادة الإنفاق العمومي بغية خلق فرص العمل وتنمية المداخيل، بحثًا عن تحسين القدرة الشرائية.  
الحلول التقليدية كانت مُنقذة بفضل الأثر المضاعف للإنفاق العام على الدخل، وبالتبعية على الاستهلاك الذى هو من بين محركي النمو الاقتصادي الأساسيين إلى جانب الاستثمار؛ لكن لم يحدث شيء من ذلك، إذ إن الأثر الأبرز لزيادة الإنفاق العام في الاقتصادات الريعية تمثل في تكثيف حدة وتكرار الصدمات الماكرو-اقتصادية، الناتجة عن الاحتياجات الكبيرة والمتكررة لاستدانة هذه الاقتصادات، وضعية غير قابلة للاستدامة، ولكي تتمكن البنوك المركزية في الاقتصادات الريعية من إنجاح معركتها ضد التضخم، ينبغي أن تكون أقل استنزافًا، أو ألا تُستنزف إطلاقًا، عبر زيادة التزاماتها أو تقليص أصولها فقط من أجل تغذية النزعة الإنفاقية للدولة.  
ثم إن هذه الحلول لم تعد صالحة اليوم  بفعل درجة التمركز النقدي في اقتصاد أصبح عالمياً بشكل لا رجعة فيه، حيث غدت وفرة النقد هي المحدِّد الرئيسي لمستوى الأسعار بما يجعل التحكم في الكتلة النقدية شرطا جوهريا لمكافحة التضخم.
لذاك، فإنه يتعين البحث عن الحل، فى إطار العمل على تقليص الكتلة النقدية، إذ تكمن الإشكالية كلها في معرفة الكيفية، والنسبة، التي يمكن أن يتم بها هذا التقليص بأكثر الطرق نجاعة، لتحقيق الأهداف المنشودة وهي استقرار الأسعار، والنمو، والتشغيل.
لا شك أن الحلّ النقدي يُعدّ رأس الحربة في مواجهة ما يصفه كينز Keynesبـ "النظام" الذي "يُفقِر الكثير من الناس" وقد أظهرت المقاربة النقدية فوائدها في الاقتصادات الليبرالية.
لكن تبقى التساؤلات قائمة : إذا كانت السياسات النقدية الانكماشية المصحوبة بسياسات مالية من نفس الطبيعة قد أنتجت آثارًا إيجابية في الاقتصادات الليبرالية، فهل يمكن أن يكون الأمر كذلك في الاقتصادات الريعية حيث تُقرن سياسات نقدية انكماشية بسياسات مالية توسعية في علاقة تصادمية؟
كيف يجمع فى اقتصادات  الدول النامية ذات الطبيعة الريعية بين سياسة انكماش نقدى (politique de restriction monétaire) ترمى إلى تقليص السيولة وتشديد شروط ولوج القطاع الخاص إلى الائتمان وبين سياسة ميزانية توسعيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة  (politique d’expansion budgétaire) تهدف إلى ضخ السيولة عن طريق تضخيم الإنفاق العمومي  بحثا عن دعم أسعار المواد ذات الاحتياجات القصوى وتغطية الإيرادات التحويلية (revenus de transfert)التي  تمنح دون مقابل إنتاجي: سياستان متناقضتان تبطل إحداهما أثر الأخرى.
ذ/ الطالب أخيار ولد محمد مولود -محام.
*عضو سابق في هيئة المحاماة الوطنية.

 
 

 

 

اثنين, 27/07/2026 - 10:22

إعلانات