
في خطوة تعكس تحوّلًا عمليًا في مقاربة التنمية المحلية، احتضنت العاصمة نواكشوط، اليوم الاثنين، ورشة عمل خُصصت لاعتماد خطط صيانة المنشآت البلدية، لصالح البلديات المستفيدة من مشروع دعم اللامركزية وتنمية المدن المتوسطة المنتجة “مدن”، وسط حضور رسمي وفني يعكس أهمية المرحلة.
الورشة لم تكن مجرد لقاء تقني، بل شكلت منصة لإعادة ترتيب الأولويات في العمل البلدي، من منطق الإنجاز السريع إلى منطق الاستدامة، وهو ما أكده الوزير المنتدب المكلف باللامركزية والتنمية المحلية، يعقوب ولد سالم فال، حين شدد على أن صيانة المنشآت تمثل الضامن الحقيقي لاستمرارية المرافق العمومية.
في قلب هذا التحول، برز الدور المحوري للمنسق الوطني للمشروع، المهندس أحمد طاهر أخيار، الذي قدم عرضًا شاملاً عكس رؤية متكاملة تتجاوز تنفيذ المشاريع إلى تأمين ديمومتها. وقدّم أخيار صورة دقيقة عن تدخلات مشروع “مدن”، التي شملت مجالات حيوية كإدارة النفايات، والطاقات المتجددة، والبنى التحتية الحضرية، إضافة إلى التخطيط العمراني.
لكن ما لفت الانتباه في مداخلة المنسق لم يكن فقط عرض الأرقام والمشاريع، بل التأكيد على البعد المؤسسي للتنمية، من خلال ربط الصيانة بالحوكمة المحلية، وتعزيز قدرات البلديات على التسيير والمتابعة. وهو توجه يعكس، بحسب مراقبين، إدراكًا متقدمًا لتحديات المدن المتوسطة، التي غالبًا ما تعاني من فجوة بين الاستثمار والتنفيذ الفعلي على الأرض.
ويُحسب للمشروع، تحت إشرافه، إدماج آلية مبتكرة تتمثل في إنشاء صندوق لدعم الصيانة، قائم على مبدأ التحفيز وربط التمويل بمدى التزام البلديات بتنفيذ خطط الصيانة، وهو ما قد يشكل نقلة نوعية في تدبير المرافق العمومية إذا ما طُبق بصرامة وشفافية.
كما حملت الورشة مؤشرات عملية على هذا التوجه، من خلال الإعلان عن تسليم سبعة صهاريج مائية لصالح عدد من البلديات، في خطوة ذات بعد خدمي مباشر، خصوصًا في المناطق التي تعاني من هشاشة في التزود بالمياه.
من جهة أخرى، عبّر ممثل رابطة العمد الموريتانيين عن استعداد البلديات للانخراط في هذا المسار، معتبرًا أن اعتماد خطط الصيانة يمثل حماية فعلية للاستثمارات العمومية، وفرصة لتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وبين البعد الفني الذي قاده الفريق المشرف على المشروع، والرؤية السياسية الداعمة، تبدو تجربة “مدن” في هذه المرحلة أقرب إلى نموذج يسعى لتجاوز اختلالات الماضي، عبر التركيز على الاستدامة، وبناء قدرات الفاعلين المحليين، وإرساء علاقة تعاقدية واضحة بين التمويل والنتائج.


