
في زمن أصبحت فيه الرسائل النصية لغة الحياة اليومية، نسي كثيرون أن الكلمات لا تحمل نبرة الصوت، ولا تعكس ملامح الوجه، ولا تنقل صدق المشاعر كما هي. فالإنسان يكتب وهو يعيش حالة نفسية معينة، بينما يقرأها الآخر من خلال حالته النفسية هو، وخبراته، وحساسيته، وجراحه القديمة. وهنا تبدأ المسافة بين القصد والفهم، وبين الحقيقة والتأويل.
كم من كلمة كُتبت بعفوية، فحُمِّلت ما لم تحتمل! وكم من عبارة قُرئت بعيون الشك، فتحولت إلى إساءة، وهي في أصلها لم تكن إلا كلامًا عاديًا. ليست المشكلة دائمًا في ما يُكتب، بل في الطريقة التي نختار بها أن نقرأه.
إن الاتزان النفسي يقتضي أن نُحسن الظن قبل أن نحكم، وأن نسأل قبل أن نغضب، وأن نلتمس الأعذار قبل أن نبني المواقف. فالعاقل لا يجعل رسالة مقتضبة سببًا لقطيعة، ولا كلمة محتملة سببًا لاتهام، لأنه يعلم أن الحقيقة أوسع من النص، وأن النوايا لا تُقرأ من خلف شاشة.
وفي المقابل، فإن الصدق يفرض على الكاتب مسؤولية كبيرة؛ فليختر كلماته بعناية، وليتجنب العبارات التي تحتمل اللبس، وليتذكر أن الكلمة أمانة، وأن وضوح التعبير احترام للآخرين. فليس كل ما يُفهم خطأ سببه القارئ وحده، بل قد يكون الغموض أو الإيجاز المفرط سببًا في سوء الفهم.
لقد هدمت الظنون علاقات كان يمكن أن تستمر، وفرقت التأويلات بين أحبة وأصدقاء، بينما كان حلها في اتصال هادئ، أو لقاء صادق، أو سؤال بسيط يزيل الغموض. فالكلام المباشر يفتح أبواب الفهم، أما الرسائل وحدها فقد تفتح أبواب التخمين.
إن المجتمع الذي يسوده حسن الظن، والصدق، والاتزان، هو مجتمع تقل فيه الخصومات وتكثر فيه المودة. أما حين يتسرع الناس في إصدار الأحكام، ويجعلون كل كلمة دليل إدانة، فإن الثقة تتآكل، وتصبح العلاقات هشة أمام أبسط سوء فهم.
ولعل أجمل قاعدة في التواصل هي:
اكتب بصدق، واقرأ بحسن ظن، واحكم بعد التثبت؛ فالكلمة قد تُفسَّر بغير ما أردت، لكن الأخلاق الرفيعة قادرة دائمًا على إعادة المعنى إلى موضعه الصحيح.
"ليس كل صمتٍ تجاهلًا، وليس كل اختصارٍ جفاءً، وليس كل تأخرٍ إهمالًا؛ فالنفوس لها ظروفها، والعاقل من يلتمس العذر قبل أن ينسج الاتهام."
أحمدو سيدي محمد الكصري
باحث وناقد

