
السياسة فضاء للاجتهاد والاختلاف، وليست عقدًا أبديًا يُلزم الإنسان بالبقاء حيث لم يعد مقتنعًا. فمن حق كل مواطن أن ينضم إلى حزب، ومن حقه كذلك أن يغادره متى رأى أن قناعاته لم تعد تنسجم مع مساره، دون أن يتحول ذلك إلى مبرر لحملات التشويه والتخوين.
والمؤسف أن بعض القيادات الإعلامية في حزب جبهة المواطنة والعدالة اختارت أن تواجه كل انسحاب بالهجوم الشخصي بدل مراجعة الأسباب التي دفعت أصحابها إلى المغادرة. فبدل أن يكون الإعلام الحزبي وسيلة للحوار، أصبح عند البعض أداة لتصفية الحسابات ومحاولة النيل من الأشخاص، وهو سلوك لا يخدم الحزب ولا يعكس أخلاق العمل السياسي.
المسؤول الإعلامي الحقيقي يناقش الأفكار بالحجج، ويحترم حق الآخرين في الاختلاف، ولا يجعل من الملفات الشخصية أو الإيحاءات وسيلة لإسكات المخالفين. وعندما يعجز الخطاب السياسي عن الرد على النقد، ويلجأ إلى الشخصنة، فإنه يعلن إفلاسه قبل أن يقنع أحدًا.
إن من يريد إصلاح حزبه يبدأ بإصلاح خطابه، والابتعاد عن لغة التخوين والتشهير، لأن الأحزاب تُبنى بالثقة والاحترام، لا بالخوف ولا بحملات الإساءة. وكل من كان بيته من زجاج، فالأجدر به ألا يرمي الناس بالحجارة.
أما نحن، فقد اخترنا طريقًا سياسيًا نراه أقرب إلى قناعاتنا، ولن تثنينا حملات التشويه عن ممارسة حق كفله الدستور والأعراف الديمقراطية. وإذا كان لدى أي طرف اعتراض على مواقفنا، فليكن الرد بالحجة والبرهان، لا بالإساءة والتجريح.
والتاريخ السياسي يعلمنا أن الأحزاب لا تخسر بسبب انسحاب الأفراد، وإنما تخسر عندما تعتبر كل مخالف عدوًا، وكل ناقد خصمًا، وكل من غادرها هدفًا لحملات التشويه. حينها تصبح المشكلة في المنسحبين أقل بكثير من المشكلة في طريقة إدارة الاختلاف داخل الحزب نفسه.
أحمدو سيدي محمد الكصري
باحث اجتماعي
منسحب من حزب جبهة المواطنة والعدالة

