
ينتهي الظلم بأبسط الأسباب. تلك سنةٌ تتكرر في التاريخ ولا تتبدل. انتهت قصة فرعون بالماء، وانتهت قصة النمرود ببعوضة، وانتهت قصة قارون بالخسف، وانتهت قصة أبرهة بحجارة، وبقيت قصص الطغاة جميعًا شاهدًا على أن القوة لا تصنع الخلود، وأن الظلم مهما طال فمصيره الزوال.
فالسلطة ليست امتيازًا، بل أمانة، وكلما ارتفع مقام الإنسان عظمت مسؤوليته. وما أكثر من رفعوا رايات العدل والحرية والمواطنة، ثم كانت أولى خطواتهم مخالفةً لما أعلنوه. فليس الخطر في أن يخطئ الإنسان، وإنما في أن يجعل من الشعارات ستارًا لممارسات تناقضها.
فكيف يُرجى الإصلاح ممن بدأ مشواره بالظلم وهو يحمل شعار العدالة؟ وكيف يُنتظر ترسيخ دولة المواطنة ممن عجز عن إنصاف أقرب الناس إليه؟ فالعدالة لا تُقاس بالخطب، وإنما بالمواقف، ولا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية.
لقد قيل إنها جبهة تقود نحو المستقبل، فإذا بها تتحول إلى ذيلٍ يتدلى وراء سرابٍ يحسبه الظمآن ماءً. ورُفعت المواطنة رايةً جامعة، فإذا بالممارسة تُغذي الاستقطاب بدل أن تُرسخ الانتماء الوطني، وتستحضر المظالم بدل أن تبحث عن معالجتها بروح الإنصاف والمصالحة.
إن استثمار المظالم التاريخية ينبغي أن يكون من أجل بناء العدالة ورد الحقوق وتعزيز الوحدة الوطنية، لا من أجل إنتاج انقسامات جديدة أو تكريس خطاب يوسع هوة الخلاف بين أبناء الوطن الواحد. فالأوطان لا تبنى بإحياء الخصومات، وإنما ببناء الثقة وسيادة القانون والمساواة بين جميع المواطنين.
فلا تخف من قوة الظالم، فإن لكل ظالم نهاية، ولكل جبار ساعة يقف فيها أمام عدل الله. ولا تيأس من انتصار الحق، فإن الله قد يجعل أبسط الأسباب سببًا لهلاك الباطل، ويجعل كلمة الحق أبقى من كل سلطان، ويبقى العدل وحده أساس بقاء الأمم، بينما يظل الظلم، مهما تزين بالشعارات، بداية سقوط أصحابه.
أحمدو سيدي محمد الكصري
باحث اجتماعي مهتم بالشأن الوطني

