الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة.. من بناء الهوية الوطنية إلى الدولة الرقمية/د محمد الأمين اشريف احمد

 

هناك مؤسسات لا تقاس أهميتها بحجمها، بل بحجم الدولة التي تقوم عليها. ومن أبرزها الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، التي لم تعد مجرد إدارة لإصدار بطاقات التعريف وجوازات السفر، بل أصبحت إحدى ركائز الهوية القانونية للمواطن، وتوثيق الحالة المدنية، وتأمين الوثائق، وتوفير قاعدة بيانات أساسية لإدارة الدولة.

والسؤال اليوم ليس فقط: ماذا أصدرت الوكالة من وثائق؟ بل: إلى أي مدى نجحت موريتانيا في الانتقال من إدارة الحالة المدنية والوثائق إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للهوية الرقمية والخدمات العمومية؟

من الحالة المدنية إلى السجل الوطني

بدأ التحول المؤسسي بإنشاء الوكالة بموجب المرسوم رقم 150/2010 بتاريخ 6 يوليو 2010، ثم تعزز بقانون الحالة المدنية رقم 003/2011، والمرسوم رقم 110/2011 المتعلق بتقييد السكان في السجل الوطني.

كان الهدف بناء سجل وطني يعتمد على الهوية البيومترية، ويربط البيانات الشخصية بالوثائق الرسمية، بما يعزز إثبات الهوية ويحد من الازدواجية والتزوير.

ومع تطور المنظومة، توسعت مهام الوكالة لتشمل التسجيل في سجل السكان، والحالة المدنية، وبطاقات التعريف، وجوازات السفر، وبطاقات الإقامة، وترقيم السيارات، والتأشيرات وغيرها.

النظام البيومتري.. نقطة التحول

كان تدشين النظام المندمج الجديد لتسيير سجل السكان والوثائق المؤمنة سنة 2021 محطة أساسية، إذ جمع أربعة مكونات: سجل وطني بيومتري يدمج البيانات البيوغرافية والبيومترية، ونظام إنتاج الوثائق المؤمنة، ونظام تدقيق هويات العابرين وتسجيل الأجانب، ونظام إصدار التأشيرات البيومترية.

وبلغت تكلفة المشروع 12.157.616 يورو، وكان مقرراً إنجازه خلال 18 شهراً، قبل أن تؤدي جائحة كوفيد-19 إلى تأخير التنفيذ.

كما عزز النظام التحقق من الهوية بالبصمات والتعرف على الوجه، ووسع الخدمات لتشمل المواطنين والأجانب واللاجئين، بالتوازي مع توسيع شبكة مراكز استقبال المواطنين، حيث تم تجهيز 153 مركزاً من أصل 168 مركزاً مبرمجاً.

وهكذا انتقلت الخدمة تدريجياً من الإدارة المركزية إلى المواطن في محل إقامته.

«هويتي».. من الوثيقة إلى الهوية الرقمية

إذا كان السجل البيومتري مرحلة التأسيس، فإن منظومة «هويتي» تمثل مرحلة أكثر تقدماً.

فهي تمكن المواطن من طلب عدد من الوثائق والخدمات عن بعد، وتتبع طلبه من التقديم إلى التسليم، وتقلل التنقل والتكاليف، كما تتيح للموريتانيين في الخارج الاستفادة من الخدمات دون الحاجة إلى قطع مسافات طويلة.

والأهم أنها تفتح الباب أمام هوية رقمية وطنية قابلة للتحقق، مع إمكانية استخراج وثائق رقمية موقعة إلكترونياً، مثل شهادات الميلاد والزواج والطلاق والوفاة، والتحقق من صحتها بواسطة QR والتوقيع الرقمي للوكالة.

وهنا أصبح دور الوكالة يتجاوز إنتاج الوثيقة إلى إنتاج هوية قابلة للتحقق رقمياً.

ماذا تحقق؟

يمكن تلخيص أهم ما تحقق في ستة مستويات:

1. توحيد الهوية الوطنية عبر الرقم الوطني والسجل البيومتري.
2. رفع أمن الوثائق وربط إصدارها بالتحقق البيومتري.
3. توسيع نطاق الخدمات لتشمل المواطن والمقيم والزائر والموريتانيين في الخارج.
4. تقريب الإدارة عبر شبكة مراكز استقبال المواطنين.
5. الانتقال إلى الإدارة الرقمية من خلال «هويتي».
6. توسيع أثر المنظومة خارج الوكالة؛ ففي مارس 2025 أطلقت موريتانيا رقمنة السجل العدلي، وأصبح بالإمكان الحصول عليه عن بعد عبر «هويتي» ومنصة «خدماتي».

وهذا يؤكد أن القيمة المستقبلية للوكالة لا تكمن فقط في خدماتها المباشرة، بل في قدرتها على توفير البنية الأساسية للهوية التي تعتمد عليها بقية الخدمات الحكومية الرقمية.

النواقص.. من قوة النظام إلى جودة الخدمة

رغم هذا التطور، ما زالت هناك فجوة بين قوة البنية التقنية وتجربة المواطن اليومية.

فبعض الإجراءات لا تزال تتطلب الحضور الشخصي، كما أن المدة الزمنية لبعض الخدمات غير محددة بوضوح في البوابة الحكومية؛ ومنها طلب بطاقة التعريف وجواز السفر.

كما يطرح التحول الرقمي تحدي عدم إقصاء المواطنين الذين لا يمتلكون الهواتف الذكية أو المهارات الرقمية.

وتحتاج الوكالة أيضاً إلى مزيد من التركيز على استمرارية الأنظمة، وسرعة معالجة الطلبات، وتوحيد المعلومات بين المراكز، وفعالية الشكاوى والتظلمات، وحماية البيانات الشخصية، باعتبارها تدير واحدة من أكثر قواعد البيانات حساسية في الدولة.

كما ينبغي الانتقال من قياس الأداء بعدد الوثائق المنتجة إلى قياسه بـ زمن الخدمة، وكلفتها، ونسبة الطلبات المنجزة في آجالها، ونسبة الأخطاء، ومدى توفر الخدمة وطنياً.

ستة مقترحات لرفع الكفاءة

أولاً: استكمال رقمنة الخدمات، بحيث تصبح الخدمة عن بعد هي الأصل، والحضور الشخصي استثناء تفرضه الضرورة البيومترية أو القانونية.

ثانياً: تحديد آجال ملزمة للخدمات، مع تمكين المواطن من تتبع طلبه والتنبيه عند تجاوز الأجل.

ثالثاً: ربط قواعد البيانات الحكومية، مع احترام حماية البيانات، بحيث تصبح الهوية الوطنية أساساً آمناً للخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية والمالية والإدارية.

رابعاً: تعزيز حماية البيانات والأمن السيبراني، عبر التشفير، والبنية الاحتياطية، والمراقبة المستمرة، وخطط التعافي من الأعطال والهجمات.

خامساً: ضمان المساواة في الوصول إلى الخدمة، عبر تطوير المراكز في الداخل، والفرق المتنقلة للمناطق النائية، وخدمات الجاليات، وقنوات مساعدة لغير القادرين على استخدام الخدمات الرقمية.

سادساً: اعتماد مؤشرات أداء معلنة، تشمل متوسط زمن إنجاز كل خدمة، ونسبة الخدمات الرقمية، والأعطال، والشكاوى المعالجة، وتغطية المراكز، ورضا المواطنين.

الخلاصة

خلال ما يزيد على عقد ونصف، انتقلت موريتانيا من منظومة تقليدية للحالة المدنية والوثائق إلى منظومة تقوم على السجل البيومتري والوثائق المؤمنة والهوية الرقمية. وكان إنشاء الوكالة سنة 2010، وتطوير السجل الوطني، وتدشين النظام المندمج سنة 2021، ثم إطلاق «هويتي»، محطات أساسية في هذا التحول.

لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون أكثر طموحاً.

فالهدف ليس فقط أن يحصل المواطن على بطاقة تعريف أسرع أو وثيقة إلكترونية، بل أن تصبح الهوية الوطنية الرقمية مفتاحاً آمناً للوصول إلى الدولة وخدماتها.

وباستكمال الرقمنة، وتحديد الآجال، وتوسيع التغطية، وربط الخدمات، وحماية البيانات، وقياس الأداء، يمكن للوكالة أن تنتقل من مجرد مؤسسة لإصدار الوثائق إلى إحدى أهم البنى التحتية للدولة الرقمية الموريتانية.

فالسؤال لم يعد: كيف يحصل المواطن على وثيقته؟

بل: كيف تجعل الدولة هويته الموثوقة مفتاحاً لحصوله على حقوقه وخدماته، أينما كان، بأقل وقت وكلفة وأعلى مستوى من الأمان؟

ذلك هو المسار الطبيعي للوكالة: من تأمين الوثيقة إلى تأمين الهوية، ومن إدارة السجل إلى بناء البنية الرقمية للدولة.

د محمد الأمين شريف أحمد.

أحد, 30/08/2026 - 20:00