
أطار -ولاية آدرار
#أطار_موريتانيا| يمثل اعتماد المخطط التوجيهي للاستصلاح والعمران لمدينة أطار خطوة متقدمة في جهود موريتانيا لتطوير مدنها الداخلية على أسس أكثر تنظيماً واستدامة، في إطار الشراكة بين الحكومة الموريتانية والبنك الدولي، وتنفيذ مشروع دعم اللامركزية وتنمية المدن المتوسطة المنتجة «مدن».
وخلال ورشة المصادقة الفنية على المخطط، التي احتضنتها مدينة أطار بحضور السلطات الإدارية والأمنية والمنتخبة وممثلي القطاعات الفنية، أكد القائمون على المشروع أن التخطيط الحضري لم يعد مجرد خيار هندسي، بل أصبح أحد الشروط الرئيسية لتحسين جودة الحياة، وتعزيز الجاذبية الاقتصادية للمدن، وضمان توجيه الاستثمارات العمومية بصورة أكثر كفاءة.
ويأتي مخطط أطار ضمن برنامج أوسع يموله مشروع "مدن" لإعداد مخططات عمرانية لعشر مدن ومناطق موريتانية، تشمل ازويرات، وأطار، ونواذيبو، وكيهيدي، وسيلبابي، وكرو، وكيفه، والعيون، والنعمة، ومخيم امبره للاجئين. ويعكس هذا الامتداد الجغرافي توجهاً عملياً نحو تقليص الفوارق بين العاصمة والمدن الداخلية، وتعزيز دور المدن المتوسطة باعتبارها مراكز للخدمات والأنشطة الاقتصادية والاستقرار السكاني.
ينفذ مشروع "مدن" تدخله في مجال التخطيط الحضري عبر اتفاقية شراكة موقعة سنة 2022 مع مديرية التنمية والتخطيط والتنظيم الحضري التابعة لوزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي.
وبموجب الاتفاقية، يقدم المشروع دعماً فنياً ومؤسسياً للإدارة المختصة، من أجل تعزيز قدراتها في تنفيذ السياسة الحضرية وإعداد أدوات التخطيط ومتابعة تطبيقها. وتكمن أهمية هذا الدعم في أنه لا يقتصر على تمويل الدراسات، بل يعزز قدرة المؤسسات الموريتانية على إدارة التحولات العمرانية، وتحديد أولويات الاستثمار، وربط المشاريع الحضرية بحاجات السكان وآفاق التنمية المحلية.
ويبرز هذا النهج إحدى أهم مميزات تدخل البنك الدولي في المشروع: الجمع بين الاستثمار في التجهيزات والخدمات من جهة، وتقوية المؤسسات المحلية والقطاعية لضمان استدامة أثر تلك الاستثمارات من جهة أخرى.
فالمرافق الحضرية لا تحقق نتائجها بمجرد إنشائها، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التخطيط لها، وإدارتها، وصيانتها، وقياس أثرها على حياة السكان. ومن هنا، فإن دعم التخطيط العمراني يمثل استثماراً في جودة القرار العمومي بقدر ما يمثل استثماراً في البنية التحتية.
تتميز أطار بخصوصية تجعل التخطيط فيها أكثر حساسية وتعقيداً. فهي مدينة جبلية واحاتية، ووجهة سياحية وتراثية بارزة في شمال موريتانيا، وتحيط بها منظومات بيئية هشة وموارد طبيعية تتطلب حماية دقيقة.
ولهذا صُمم المخطط التوجيهي باعتباره إطاراً استراتيجياً طويل المدى يراعي الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية للمدينة، إلى جانب التحديات المناخية والبيئية. ومن المنتظر أن يساعد المخطط على تنظيم التوسع العمراني، وتحديد مساحات السكن والخدمات والأنشطة الاقتصادية، وحماية المجالات الواحاتية والتراثية، وتوجيه المنشآت المستقبلية نحو مواقع أكثر ملاءمة.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في مدينة تسعى إلى تطوير بنيتها السياحية والخدمية، من دون فقدان ملامحها البيئية والمعمارية المميزة. فالتخطيط الجيد يمكن أن يوازن بين التوسع الحضري من جهة، والمحافظة على هوية أطار بوصفها مدينة للواحات والجبال والتراث الصحراوي من جهة أخرى.
منذ تولي المهندس أحمد طاهر ولد خيار تنسيق مشروع "مدن"، برزت أهمية الدفع نحو ربط التخطيط بالنتائج القابلة للتنفيذ، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية والبلديات والشركاء الفنيين والماليين.
وتعكس ورشة أطار هذا التوجه؛ إذ تجمع بين إعداد وثيقة عمرانية ذات بعد استراتيجي وبين بناء التوافق المؤسسي حول كيفية اعتمادها وتطبيقها. فالنجاح في التخطيط الحضري لا يقاس بجودة الخرائط والدراسات وحدها، بل بمدى قدرة الفاعلين المحليين على تحويلها إلى قرارات في مجالات الأرض والسكن والبنية التحتية والخدمات العامة.
#كما عزز المشروع، تحت قيادته، مفهوم الاستدامة في التدخلات المحلية عبر ربط الاستثمار بأدوات المتابعة والصيانة وتطوير قدرات البلديات. وهذه المقاربة تتوافق مع توجهات البنك الدولي في دعم المدن القادرة على إدارة مواردها ومرافقها بكفاءة، وعلى مواجهة الضغوط السكانية والمناخية والاقتصادية.
نموذج شراكة قابل للبناء عليه
تؤكد تجربة مشروع «مدن» أن تنمية المدن المتوسطة لا تتحقق بالمشاريع المنفصلة، بل عبر حزمة مترابطة تشمل التخطيط، والاستثمار، والحوكمة، ودعم البلديات، ومشاركة السكان، ورفع كفاءة الإدارة المحلية.
وفي هذا السياق، تكتسب شراكة موريتانيا مع البنك الدولي أهمية مضاعفة؛ فهي تتيح تعبئة التمويل والخبرة الدولية لمساندة الأولويات الوطنية، مع إبقاء القيادة والتنفيذ ضمن المؤسسات الموريتانية والجهات المحلية المعنية.
وتنسجم هذه الجهود مع التوجهات الحكومية الرامية إلى تحسين ظروف عيش المواطنين، وتحفيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحضرية، ضمن برنامج رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وتنفيذ الحكومة برئاسة الوزير الأول المختار ولد أجاي.
أما بالنسبة لأطار، فإن المصادقة الفنية على مخططها التوجيهي تمثل بداية مرحلة جديدة، تتطلب توحيد جهود الدولة والبلدية والجهات الفنية والشركاء لضمان انتقال التخطيط من الوثيقة إلى التطبيق. وإذا تُرجم المخطط إلى استثمارات منسقة، ورقابة فعالة على التوسع العمراني، وخدمات تحترم خصوصية المدينة، فسيشكل قاعدة مهمة لتعزيز دور أطار بوصفها مركزاً سياحياً وخدمياً واقتصادياً في شمال موريتانيا.

