
أقسى ما يواجه الأسرة أن تعمل طوال الشهر، ثم تعجز عن إكماله دون دين؛ وأصعب ما يواجه السياسة الاقتصادية أن تتسع برامجها، ويبقى أثرها أضيق من حاجات الناس. وبين الجهد المبذول والعيش المأمول، تصبح المعيشة الاختبار الأقرب لكفاءة الإنفاق ونجاح التنمية.
لقد وسّعت الحكومة تدخلاتها في الدعم والتموين والتأمين الصحي والتعليم والسكن، وحققت مكاسب تستحق الاعتراف والبناء عليها. ويبدأ التقييم المنصف من سؤال واضح: ماذا أنجزت الدولة، وكم وصل إلى الأسرة، وكيف نجعل كل أوقية مخصصة لتحسين المعيشة تُحدث أثرًا أكبر وأبقى؟
وتوثّق الحصيلة الحكومية لسنة 2024، المعروضة أمام البرلمان في يناير 2025، تدخلات واسعة:
التدخل المنجز المعلن
الغذاء المجاني 127,138 أسرة
التحويلات النقدية أكثر من 134,800 أسرة بنحو 969 مليون أوقية جديدة
مساعدة المتضررين من الأحوال الجوية والفيضانات 4,061 أسرة
«التموين» 18,989 طنًا لتزويد 1,754 حانوتًا
التأمين الصحي للطلاب نحو 50 ألف طالب ابتداءً من يناير 2025
المدرسة العمومية أكثر من 1,000 فصل جديد، و43 ألف طاولة، و200 ألف زي مدرسي، واكتتاب 1,938 مدرسًا
دعم المدرسين تخصيص 2,508 مساكن من «داري»، وعلاوة شهرية قدرها 2,000 أوقية جديدة لأكثر من 4,000 معلم للسنة السادسة
وهذه أرقام تنفيذ وتغطية معلنة، لا تُجمع أعداد مستفيديها باعتبارهم أسرًا مختلفة، لاحتمال التداخل. المصدر: الحصيلة الحكومية
وشمل اتفاق تسقيف الأسعار خلال سبتمبر–ديسمبر 2024 تخفيضات مباشرة:
المادة السعر السابق ← السقف المعلن بالأوقية الجديدة التخفيض المحسوب
الأرز/كغ 40 ← 32 20%
القمح/كغ 17 ← 13 23.5%
السكر/كغ 40 ← 31 22.5%
الزيت/لتر 75 ← 58 22.7%
وهي أسعار تاريخية، يتوقف أثرها الفعلي على توافر السلع واحترام السقوف في الأسواق. المصدر: الحصيلة نفسها
وبحسب عرض أحدث للبنك الدولي، يشمل السجل الاجتماعي 353,272 أسرة، ويغطي «التكافل» 133,510 أسر شديدة الفقر؛ منها 76,929 بتمويل الميزانية الوطنية و56,581 بتمويل المشروع المدعوم من البنك. وبلغ النمو الاقتصادي 4.2% في 2025، مقابل 1.4% لنصيب الفرد. المصدر: البنك الدولي
لكن المساعدة قد تستهلكها فاتورة علاج أو زيادة إيجار أو فقدان مورد رزق، وتباطؤ التضخم لا يعيد الأسعار إلى مستوياتها السابقة. وقد نبّه التحديث الاقتصادي للبنك الدولي لسنة 2025 إلى أن محدودية مبالغ المنافع الاجتماعية تقيد أثرها، وأوصى بزيادتها تدريجيًا بصورة مستدامة، وتحسين الاستهداف والتنسيق وتوسيع الإدماج الاقتصادي. المصدر: التحديث الاقتصادي
ومن هنا، تتحدد أولوية الإصلاح في زيادة ما يصل إلى الأسرة، وتقليل ما تدفعه للضروريات، ورفع قدرتها على الكسب، عبر أربعة مسارات تدعمها تجارب موثقة:
1. تطوير «التموين» إلى رصيد غذائي أكثر دقة ومرونة. في إندونيسيا، أظهرت تجربة عشوائية شملت 105 مناطق أن القسائم الإلكترونية رفعت قيمة الدعم المتلقّى لدى الأسر المؤهلة بنحو 46%، وخفضت الفقر بين الشريحة الأشد فقرًا المعنية بالقياس بنسبة 20%، تعادل 4.3 نقاط مئوية. وتراوحت الكلفة الإدارية بين 0.7% و2% من المنافع، مقابل نحو 4% للنظام العيني. لكنها رصدت ارتفاع أسعار الأرز بنحو 3.5% في القرى الأبعد. المصدر: تقييم J-PAL
والمقترح تجربة رصيد غذائي مرتبط بالسجل الاجتماعي لدى متاجر متعددة، مع بدائل لمن لا يملكون هاتفًا ذكيًا، وتظلم متاح وتسوية سريعة لمستحقات التجار. ويستمر التموين العيني في المناطق المعزولة وضعيفة العرض، ويُشترط قبل التوسع اختبار المنافسة والاتصال وتوافر السلع.
2. تحويل التأمين الصحي إلى حماية فعلية للدخل. في تايلاند، انخفضت نسبة الأسر التي تجاوز إنفاقها الصحي المباشر 10% من استهلاكها من 6% سنة 1996 إلى 2% سنة 2015، وتراجع الإفقار الناتج عن العلاج من 2.2% إلى نحو 0.3% خلال الفترة نفسها، ضمن مسار توسيع التغطية وتطوير الخدمات. المصدر: المجلة الدولية للإنصاف في الصحة
والاستفادة الموريتانية تكون بضمان الأدوية والفحوص المشمولة، وتقليص آجال التعويض، وحماية الفقراء من المدفوعات الكبيرة، بتمويل واضح ورقابة على الجودة. ويُقاس النجاح بالخدمة المتلقاة وانخفاض دفع الأسرة من جيبها.
3. ربط التكوين المهني بزيادة مستدامة في الكسب. في كوت ديفوار، خلصت دراسة عشوائية تابعت الشباب سبع سنوات إلى أن التكوين بالتناوب بين المؤسسة ومركز التدريب رفع دخولهم بنحو 14–20% خلال سنتين إلى خمس سنوات بعد انتهائه، أساسًا من تحسين عائد العمل المستقل، دون أثر على الولوج إلى الوظائف المأجورة. المصدر: دراسة البنك الدولي، فبراير 2026
والمقترح عقود تعلم مع ورش ومؤسسات قائمة، في تخصصات يثبت الطلب عليها، مع منحة انتقالية للنقل والمعيشة، واختبار مهارة مستقل ومواكبة للانطلاق. وتُقيَّم المراكز بدخل الخريج واستمراره بعد سنة وسنتين، وتُختبر التخصصات قبل توسيعها لتجنب إغراق السوق.
4. جعل الرقابة استثمارًا يحمي موارد الخدمات. في تجربة شملت أكثر من 600 مشروع طرق قروية بإندونيسيا، خفّض رفع احتمال التدقيق الحكومي المعلن من 4% إلى 100% النفقات غير المفسرة بنحو ثماني نقاط مئوية؛ وهو دليل على جدوى التدقيق، دون افتراض النتيجة نفسها في كل قطاع أو بلد. المصدر: دراسة بنجامين أولكن
والمقترح تدقيق مستقل وظيفيًا للتموين والتحويلات والمشتريات الاجتماعية، يجمع الملفات عالية المخاطر والعينات العشوائية، ويطابق المدفوعات بالتسليم الفعلي، وينشر النتائج والإجراءات التصحيحية، مع استرداد الأموال عند ثبوت المخالفات ومتابعة تنفيذ التوصيات.
هذه التجارب تقدم أدوات قابلة للاختبار؛ فنجاحها محليًا يتوقف على جودة التنفيذ والاستهداف والخدمة. لذلك يُقترح برنامج لتحسين دخل الأسرة داخل المؤسسات القائمة، يبدأ بتجارب ممولة في مناطق حضرية وريفية، ويقيس الوضع قبل التدخل وبعده وفق خمسة مؤشرات: الدخل الحقيقي، وكلفة السلة الأساسية، والإنفاق الصحي المباشر، وانتظام الدعم، واستمرار الأنشطة المدرة للدخل. ويُموَّل التوسع بعد تقييم الكلفة والنتائج، دون احتساب وفورات الإصلاح والرقابة قبل تحققها.
تملك موريتانيا برامج يمكن البناء عليها، وتجارب يمكن التعلم منها؛ ويبقى الحسم في التنفيذ: دعم يصل كاملًا، وتأمين يحمي من دين العلاج، وتكوين يفتح باب رزق، ورقابة تصون المال المخصص لحياة الناس.
ذلك هو التحدي الذي يستحق أن تتقدم إليه الحكومة بثقة و مسؤولية...
د محمد الأمين شريف أحمدأحمد...

