
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها مسؤول، مهما كانت رتبته ومهما كانت مكانته، أن يسمع وشاية أو شكوى ضد أحد موظفيه، ثم يبني عليها موقفًا أو حكمًا أو قرارًا دون أن يمنح الطرف الآخر فرصة للدفاع عن نفسه.
فالمسؤولية ليست امتلاك سلطة إصدار الأحكام، وإنما امتلاك الأمانة في استعمال تلك السلطة.
قد تكون الوشاية صحيحة، وقد تكون كاذبة.
وقد يكون ناقلها صادقًا لكنه أخطأ في فهم الوقائع.
وقد يكون الموظف بريئًا تمامًا، وقد يكون مخطئًا ويستحق المساءلة.
لكن في جميع الحالات هناك قاعدة بسيطة لا ينبغي أن تغيب عن أي مسؤول:
لا تحكم قبل أن تسمع.
فحتى القوانين والأنظمة التي وضعها البشر تقوم على مبدأ جوهري: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وله حق الدفاع عن نفسه.
فإذا كان هذا حقًا أصيلًا أمام القضاء، فكيف لا يكون له مكان في الإدارة والمؤسسات؟
ليس المطلوب من المسؤول أن يصدق الموظف، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يصدق الواشي.
المطلوب فقط أن يقول:
"سمعت رواية، وأريد أن أسمع الرواية الأخرى قبل أن أحكم."
هذه ليست مجاملة.
هذه عدالة.
والمشكلة الأكبر التي يغفل عنها كثير من المسؤولين هي أن الظلم الإداري لا تنتهي آثاره بمجرد صدور القرار.
قد يخسر الموظف فرصة، أو منصبًا، أو سمعة، أو علاقة مهنية، أو سنوات من العمل والجهد.
وقد يخرج المسؤول من منصبه بعد سنوات، ثم تظهر الحقيقة.
وقد يتبين أن ما نُقل إليه كان ناقصًا، أو مجتزأً، أو مبنيًا على سوء فهم، أو حتى وشاية متعمدة.
لكن ماذا يحدث حين تظهر الحقيقة بعد فوات الأوان؟
ماذا لو كان المسؤول قد غادر منصبه؟
وماذا لو كان الموظف الذي ظُلم قد فقد الأمل، أو غادر المؤسسة، أو مات قبل أن تُعرف الحقيقة؟
من يعيد إليه حقه؟
من يعيد إليه سنواته التي ضاعت؟
من يعيد إليه سمعته؟
من يمحو الألم الذي عاشه بسبب حكم لم يُبنَ على الحقيقة؟
هنا ندرك أن بعض الأخطاء الإدارية ليست أخطاء عابرة.
إنها قرارات قد تترك جرحًا لا يلتئم.
ولهذا فإن المسؤول الذكي لا يسأل فقط:
"هل أثق في الشخص الذي نقل لي هذه المعلومة؟"
بل يسأل:
"هل أملك من الأدلة ما يكفي لأظلم شخصًا آخر إذا كانت هذه الرواية غير صحيحة؟"
الثقة الشخصية لا يجب أن تكون بديلًا عن التحقق.
فقد تثق في إنسان، ويخطئ.
وقد تثق في إنسان، ويُخطئ في تقديره.
وقد تثق في إنسان، ويخفي عنك جزءًا من الحقيقة.
وقد تثق في إنسان، وتكتشف بعد سنوات أن روايته لم تكن كاملة.
المسؤولية الحقيقية تبدأ عندما تعرف أن الإنسان الذي أمامك ليس مجرد اسم في ملف، وإنما له كرامة ومستقبل وحقوق ومشاعر وأسرة.
ثم هناك حساب أكبر من كل المناصب.
قد تنتهي فترة المسؤولية، وتُغلق المكاتب، وتُسلم الملفات، ويتغير المسؤولون، وينسى الناس كثيرًا من التفاصيل.
لكن حقوق الناس لا تضيع عند الله.
فالعدل الإلهي لا يرتبط بمنصب ولا بنفوذ ولا بعلاقات ولا بشهادة شخص على حساب شخص آخر.
وقد قال النبي ﷺ:
«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».
وفي الدنيا قد يستطيع الإنسان أن يدافع عن نفسه، وقد يجد من يسمعه، وقد تظهر الحقيقة.
لكن أحيانًا يموت المظلوم قبل أن تظهر الحقيقة.
وقد يموت الظالم قبل أن يسمع منه أحد اعتذارًا.
وقد يغلق الملف إداريًا، لكن الملف عند الله لا يُغلق بالقرار الإداري.
وهنا يجب على كل من تحمل مسؤولية عن الناس أن يتذكر أن المنصب اختبار قبل أن يكون امتيازًا، وأن التوقيع الذي يضعه على ورقة قد يغير حياة إنسان، وأن الكلمة التي يقولها عن موظف قد ترفع إنسانًا أو تهدم سمعته.
لذلك، عندما تصل إليك وشاية ضد أحد، لا تتعجل.
استدعِه. اسمعه. واجهه بما قيل. تحقق. ثم احكم.
فإذا ثبت خطؤه، فحاسبه بالعدل.
وإذا ثبتت براءته، فأنصفه.
وإذا تبين أنك ظلمته، فالشجاعة ليست في المكابرة، وإنما في الاعتراف بالخطأ ورد الحق إلى صاحبه.
فالمنصب مهما طال زائل.
والسلطة مهما اتسعت مؤقتة.
والناس قد تنسى.
لكن الحقوق لا تُنسى عند رب العالمين.
لذلك، قبل أن تصدق الوشاية… اسمع الطرف الآخر.
فربما كانت الحقيقة في الجهة التي لم تمنحها فرصة للكلام.
وربما تكتشف الحقيقة بعد أن يصبح الاعتذار مستحيلًا.
وربما لا تكتشفها في الدنيا أصلًا.
لكن تذكر دائمًا:
العدل قد يتأخر في الدنيا، لكنه لا يغيب عن الله.
فلا تجعل ثقتك في شخص سببًا لظلم شخص آخر، ولا تجعل منصبك سببًا في ضياع حق إنسان.
لأن المسؤولية الحقيقية ليست أن تكون قادرًا على إصدار القرار...
بل أن تكون قادرًا على تحمل عواقب القرار أمام الله.
كان الله في عون الجميع
أحمدو سيدي محمد الكصري

