
كل البشر في هذه الدنيا، مثقفين كانوا أم أميين، يدركون أن الدولة شخص معنوي اعتباري، يمثل مجموع الأفراد الطبيعيين الذين يشكلون شعبها، ضمن كيان مستقل له وجوده ومكانته على خريطة العالم إلى جانب سائر الدول.
ولهذا الشخص الاعتباري، أي الدولة، مرجعية عليا تتمثل في الدستور، الذي يرسم أسس تنظيم المجتمع والدولة، ويحدد الحقوق والواجبات، وينظم العلاقة بين مؤسسات الدولة وأفراد الشعب، كما يحدد طرق الوصول إلى الوظائف العليا في الدولة، ومن بينها منصب رئيس الجمهورية أو الملك أو الأمير، بحسب نظام كل دولة.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه: إذا نشب خلاف بين الدستور، باعتباره المرجعية المنظمة لكيان الدولة، وبين المسؤول الأول المكلف بتنفيذ أحكامه، فأيهما يكون أولى بالالتفاف حوله والاحتكام إليه؟
هل هو المسؤول الأول في الدولة، الذي تبقى ولايته محددة ومؤقتة بطبيعتها، أم الدولة ودستورها باعتبارهما الإطار الدائم الذي يستمر بقاءه بتعاقب الحكام والمسؤولين؟
إن منطق الدولة الحديثة يقوم على أن الأشخاص يتغيرون، بينما تبقى مؤسسات الدولة وقواعدها الدستورية. فالحاكم يستمد مشروعيته واختصاصاته من الإطار الدستوري، وليس العكس، ولذلك فإن احترام الدستور يفترض أن يكون قاعدة حاكمة للجميع، بمن فيهم من يتولى أعلى منصب في الدولة.
وعندما يقع تعارض بين إرادة شخص، مهما علت مكانته الوظيفية، وبين القواعد الدستورية التي تنظم الدولة، فإن جوهر دولة القانون يقتضي الاحتكام إلى الدستور والمؤسسات والآليات القانونية التي حددها، بما يحفظ استمرارية الدولة ويصون حقوق الشعب ويمنع تحول السلطة المؤقتة إلى سلطة فوق القانون.
فالدول لا تبنى على الأشخاص، وإنما على المؤسسات والقواعد التي تضمن استمرارها بعد رحيل الأشخاص وتغير الحكومات وتعاقب المسؤولين.
ومن ثم، فإن قوة الدولة واستقرارها لا يقاسان بمدى قوة الحاكم، وإنما بمدى رسوخ مؤسساتها واحترام دستورها وقدرة نظامها القانوني على تنظيم الخلافات دون أن تتحول إلى أزمات تهدد كيان الدولة واستقرار المجتمع

