المرأة الليبية بين استحقاق المشاركة ومعركة التشريع: لماذا تتحول حقوقها إلى ساحة للجدل؟ بقلم: صالحة الشريف  ناشمطه مدنيه وعضو الحوار المهيكل المسار الامني .

 

 

ليست المرأة الليبية ضيفًا على المشهد السياسي، ولا عنصرًا طارئًا على تاريخ الوطن، ولا قضية يمكن تأجيلها إلى أن تتوافق جميع الأطراف على رؤيتها لدورها ومكانتها. إنها جزء أصيل من المجتمع الليبي، وشريك في بناء الدولة، وصاحبة مصلحة مباشرة في استقرارها وأمنها ومستقبلها. ومن هنا، فإن الحديث عن مشاركة المرأة في العملية السياسية لا ينبغي أن يُختزل في عدد المقاعد التي تشغلها، أو في حضورها داخل المؤتمرات والاجتماعات، بل يجب أن يمتد إلى قدرتها الحقيقية على التأثير في صناعة القرار، والمساهمة في صياغة التشريعات، والمشاركة في بناء السلام والمصالحة الوطنية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا تظل حقوق المرأة، كلما انتقلت من دائرة المطالب إلى دائرة التشريع، محاطة بجدل اجتماعي وديني وسياسي قد يتجاوز أحيانًا جوهر القضية نفسها؟

من الاعتراف بدور المرأة إلى تمكينها فعليًا

أثبتت التجربة الليبية أن المرأة ليست بعيدة عن هموم الوطن، فقد شاركت في العمل السياسي والمدني، وأسهمت في جهود الحوار والمصالحة، وتحملت مسؤوليات اجتماعية وإنسانية في مراحل صعبة من تاريخ البلاد. ومع ذلك، لا تزال مشاركتها تواجه تحديات تتعلق بضعف التمثيل الفاعل، والعنف اللفظي والرقمي، والتشكيك في أهليتها، ومحاولات إقصائها من بعض مساحات النقاش العام.

إن المشاركة السياسية الحقيقية لا تعني مجرد السماح للمرأة بالجلوس إلى طاولة الحوار، بل تعني الاعتراف بحقها في أن تكون شريكة في تحديد الأولويات، ومناقشة القضايا الوطنية، وصياغة مستقبل الدولة. فكيف يمكن الحديث عن دولة المؤسسات إذا لم تكن نصف طاقاتها البشرية قادرة على ممارسة دورها كاملًا في الحياة العامة؟

إن تمكين المرأة ليس امتيازًا يُمنح لها، بل استثمار في المجتمع والدولة، ومسؤولية تتطلبها مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.

قانون مناهضة العنف ضد المرأة: لماذا يتعثر التشريع؟

في السادس من مايو 2025، ناقش مجلس النواب الليبي مشروع قانون العنف ضد المرأة، وقرر إحالته إلى اللجنة التشريعية والدستورية لدراسته. وقد شكّلت هذه الخطوة محطة مهمة في مسار النقاش التشريعي حول حماية المرأة. كما تناولت تقارير أممية المشروع باعتباره خطوة تستهدف معالجة أشكال متعددة من العنف، بما فيها العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي والإلكتروني. ومع ذلك، فإن إحالة المشروع للدراسة لا تعني إقراره، وهو ما يجعل السؤال عن مصيره واستكمال مساره التشريعي مشروعًا وضروريًا.

إن المطلوب اليوم ليس إصدار أحكام مسبقة على دوافع المعترضين، ولا تجاهل المخاوف التي عبّر عنها بعض أفراد المجتمع، وإنما فتح نقاش جاد حول مضمون المشروع ومواده، وتحديد ما قد يتضمنه من أحكام تحتاج إلى مراجعة أو توضيح أو تعديل.

فإذا كانت هناك مواد يراها بعض المختصين مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، أو غير منسجمة مع الخصوصية الاجتماعية الليبية، فلماذا لا تُناقش هذه المواد واحدةً واحدة، بحضور القانونيين والفقهاء والمختصين في علم الاجتماع والناشطات والناشطين في المجتمع المدني؟ ولماذا لا تكون المراجعة وسيلة لتطوير النص القانوني والوصول إلى صيغة توافقية، بدلًا من أن يتحول الخلاف حول بعض المواد إلى رفض شامل لفكرة حماية المرأة من العنف؟

إن التشريع ليس نصًا مقدسًا لا يقبل المراجعة، كما أن الاعتراض على مادة بعينها لا ينبغي أن يكون سببًا لتعطيل معالجة مشكلة اجتماعية وقانونية قائمة.

ومن المهم كذلك التمييز بين الاختلاف حول صياغة قانون، والاختلاف حول المبدأ الذي يقوم عليه: وهو أن الاعتداء على المرأة وإيذاءها وتهديدها لا ينبغي أن يظل بلا حماية قانونية واضحة وفعالة.

فهل يمكن أن تتحول الملاحظات الشرعية والاجتماعية إلى مدخل لتحسين القانون، بدلًا من أن تكون سببًا في تجميد مساره؟ وهل تستطيع المؤسسات التشريعية أن تضمن حق المجتمع في النقاش، وحق المرأة في الحماية، في الوقت نفسه؟

الشريعة الإسلامية والخصوصية الليبية: هل نحن أمام تعارض حتمي؟

إن التأكيد على احترام الشريعة الإسلامية ليس نقيضًا للدعوة إلى حماية المرأة، كما أن التمسك بالهوية الليبية لا يستلزم رفض كل مبادرة تتناول حقوق النساء. فالمجتمعات تتطور، والتشريعات تُراجع، والمؤسسات تبحث عن حلول تحقق المصلحة العامة ضمن مرجعياتها الدستورية والدينية والاجتماعية.

ونحن لسنا في مواجهة مع الشريعة الإسلامية، ولا مع المجتمع الليبي، ولا مع قيم الأسرة. بل إن السؤال الذي يستحق النقاش هو: كيف يمكن صياغة حماية قانونية فعالة للمرأة والأسرة، تستند إلى العدالة، وتراعي أحكام الشريعة، وتحترم الخصوصية الثقافية الليبية، وتوفر في الوقت نفسه ضمانات واضحة للوقاية من العنف ومساءلة مرتكبيه؟

إن الطريق إلى التوافق لا يمر عبر إقصاء الأصوات المخالفة، ولا عبر تخوين المدافعين عن حقوق المرأة، بل من خلال الحوار العلمي والقانوني، والشفافية في عرض مواد المشاريع، والاستماع إلى الخبرات الوطنية، وإشراك المؤسسات الدينية والاجتماعية في مناقشة الحلول.

فالخلاف، إذا أُحسن التعامل معه، يمكن أن يصبح فرصة لتحسين التشريع، أما تحويله إلى مواجهة شاملة فقد يؤدي إلى ضياع جوهر القضية بين الاتهامات والاستقطاب.

القرار 1325: لماذا نخشى تحويل الالتزام الدولي إلى خطة وطنية؟

صدر قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن في 31 أكتوبر 2000، أي قبل أكثر من ربع قرن. وقد دعا إلى تعزيز مشاركة النساء في مستويات صنع القرار، وفي منع النزاعات وإدارتها وتسويتها، وإلى حماية النساء والفتيات من العنف المرتبط بالنزاعات المسلحة، وإشراكهن في جهود بناء السلام.

لكن ما ينبغي توضيحه هنا هو أن القرار ليس قانونًا ليبيًا تفصيليًا جاهزًا للتطبيق الحرفي، ولا خطة مكتملة صُممت خصيصًا لتفاصيل المجتمع الليبي. إنه إطار دولي يحدد مبادئ وأهدافًا، بينما تتطلب الاستجابة الوطنية وضع سياسات وآليات تنفيذ تتلاءم مع ظروف كل دولة ومؤسساتها وأولوياتها.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال ليس: هل نأخذ القرار كما هو دون نقاش؟ بل: كيف نستفيد من مبادئه في بناء خطة وطنية ليبية، تُعدّ بمشاركة الليبيات والليبيين، وتراعي الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، وتنسجم مع المرجعيات الدستورية والدينية للبلاد؟

إن الخطة الوطنية ليست مجرد وثيقة تُكتب لإرضاء المجتمع الدولي، ولا ينبغي أن تكون مشروعًا مفروضًا من الخارج. بل يجب أن تكون عملية وطنية حقيقية، تبدأ بتحديد احتياجات النساء في مختلف المناطق، وتستمع إلى المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والقيادات الاجتماعية والجهات الدينية، وتضع أهدافًا قابلة للقياس، ومسؤوليات واضحة، وآليات للمتابعة والتقييم.

وإذا كانت هناك مخاوف من بعض المفاهيم أو المصطلحات أو طرق التنفيذ، فإن الطريق الصحيح هو توضيحها ومناقشتها وتكييف ما يمكن تكييفه مع السياق الوطني، لا تحويل القرار بأكمله إلى موضوع للرفض قبل فحص مضمونه وأهدافه.

فلماذا يتحول الحديث عن قرار دولي عمره أكثر من خمسة وعشرين عامًا إلى حالة من الاستقطاب، بدلًا من أن يكون فرصة لنقاش وطني حول دور المرأة في منع النزاعات والمصالحة وبناء السلام؟

وهل يصبح إعداد خطة وطنية أكثر صعوبة من إطلاق حملات التخويف المتبادل، مع أن الخطة نفسها يمكن أن تكون مجالًا لإظهار الخصوصية الليبية بدلًا من تجاهلها؟

حين تصبح قضايا المرأة ساحة للاستقطاب

من حق أي مواطن ليبي أن يناقش التشريعات والسياسات العامة، ومن حق المؤسسات الدينية والاجتماعية أن تعرض رؤاها وملاحظاتها، كما أن من حق المدافعات عن حقوق المرأة أن يطالبن بالحماية والمشاركة. لكن المشكلة تبدأ عندما يحلّ الحكم المسبق محل النقاش، وتتحول القضية إلى معركة هويات، ويُعامل كل طرح متعلق بالمرأة وكأنه تهديد للمجتمع أو اعتداء على الدين.

إن السؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا تجد بعض القضايا المتعلقة بالمرأة نفسها سريعًا في قلب الاستقطاب، حتى عندما يكون النقاش حول حماية من العنف، أو توسيع المشاركة في صنع القرار، أو بناء آليات وطنية للسلام؟

لا يمكن تفسير جميع الاعتراضات بدافع واحد، ولا يصح تجاهل أن بعض المخاوف قد ترتبط فعلًا بمواد قانونية محددة أو بتجارب سابقة أو بغياب الثقة في المؤسسات. لكن هذا بالذات يجعل الحوار أكثر ضرورة، لا أقل.

فالمجتمع الذي يثق في قدرته على مناقشة القضايا الحساسة لا يحتاج إلى إسكات الأسئلة، بل إلى تقديم إجابات واضحة. والمؤسسة التي تؤمن بسلامة موقفها تستطيع الدفاع عنه بالحجة والنص القانوني والدليل، بدلًا من ترك المجال للشائعات والتأويلات المتعارضة.

إن حماية المرأة لا تعني إلغاء الأسرة، والمشاركة السياسية لا تعني مصادرة دور الرجل، ومناهضة العنف لا تعني تبني كل مادة واردة في أي مشروع دون مراجعة. كما أن احترام الشريعة لا ينبغي أن يُستخدم ذريعة لتجاهل كل مطالبة قانونية، تمامًا كما لا ينبغي استخدام حقوق المرأة لإقصاء الحوار الديني والاجتماعي المشروع.

المطلوب: حوار وطني لا معركة صفرية

إن مسؤولية الوصول إلى حلول عملية تقع على عاتق جميع الأطراف. فعلى مجلس النواب أن يوضح المسار الذي وصل إليه مشروع القانون، وأن يتيح مناقشة مواده بصورة شفافة، وأن يستمع إلى الملاحظات المتخصصة، مع الحرص على ألا يبقى ملف الحماية القانونية معلقًا دون أفق واضح.

وعلى القانونيات والناشطات ومؤسسات المجتمع المدني أن يقدمن مقترحات دقيقة، ويشرحن الأهداف والآثار المتوقعة للمواد المختلف عليها، ويعملن على بناء مساحات مشتركة مع المؤسسات الدينية والاجتماعية، دون التخلي عن جوهر المطالبة بالحماية والعدالة.

كما ينبغي أن تتسع دائرة النقاش لتشمل النساء في المدن والقرى والجنوب والشرق والغرب، والشابات والنساء ذوات الإعاقة، والناجيات من العنف، والمختصين في القانون وعلم الاجتماع والشريعة. فلا يمكن إعداد تشريع وطني مستدام دون الاستماع إلى الفئات التي سيؤثر فيها، ودون فهم اختلاف احتياجاتها وتجاربها.

أما بشأن القرار 1325، فإن المطلوب إطلاق مسار تشاوري وطني لإعداد خطة ليبية للمرأة والسلام والأمن، تتضمن أولويات واضحة، مثل مشاركة النساء في عمليات المصالحة، وتعزيز حضورهن في المؤسسات السياسية، وحمايتهن من التهديد والعنف أثناء ممارسة العمل العام، ودعم مساهمتهن في منع النزاعات وبناء السلام.

ويجب أن تكون هذه الخطة قابلة للمراجعة، ومبنية على احتياجات المجتمع، وخاضعة للمساءلة الوطنية، لا مجرد استجابة شكلية لالتزامات دولية.

كلمة أخيرة: حماية المرأة مسؤولية وطنية

إن مستقبل المرأة الليبية لا ينبغي أن يظل رهينة التجاذبات، ولا أن تصبح حقوقها ملفًا يُفتح عند الحاجة السياسية ويُغلق عند أول خلاف اجتماعي. فالمرأة التي تشارك في بناء السلام تستحق أن تكون شريكة في صناعة القرار، والمرأة التي تتعرض للعنف تستحق حماية قانونية فعالة، والمرأة التي تختلف مع غيرها في الرأي تستحق أن يُناقش موقفها بالحجة، لا أن تُقصى بسبب هويتها أو نشاطها.

لسنا أمام اختيار بين الشريعة والمرأة، ولا بين الهوية الليبية والانفتاح على التجارب الدولية. نحن أمام مسؤولية البحث عن صيغة وطنية عادلة، تحمي الإنسان، وتحترم المرجعيات الدينية والاجتماعية، وتمنح المؤسسات التشريعية فرصة للقيام بدورها.

إن السؤال الحقيقي ليس لماذا تطالب المرأة الليبية بالمشاركة والحماية، بل لماذا لا نستثمر هذا المطلب في بناء توافق وطني ناضج؟

ولماذا لا يتحول الاختلاف حول قانون العنف ضد المرأة والقرار 1325 إلى فرصة لإنتاج تشريعات وسياسات أكثر وضوحًا وملاءمة للمجتمع الليبي؟

إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على تأجيل الملفات الخلافية، بل بقدرتها على إدارتها بحكمة وعدالة. والمرأة الليبية لا تطلب أن تكون فوق المجتمع، بل أن تكون جزءًا فاعلًا فيه، لا تُحرم من المشاركة، ولا تُترك دون حماية، ولا تُختزل قضيتها في جدل لا ينتهي.

فالحقوق التي تُناقش بعقلانية يمكن تطويرها، والخلافات التي تُدار بالجحوار يمكن تجاوزها، أما القضايا التي تُترك رهينة الاستقطاب فقد تبقى معلقة، بينما يدفع المجتمع كله ثمن التأجيل.

أحد, 18/10/2026 - 17:37