
إذا نادى الهوى والعقل يوما
فصوت العقل أولى أن يجابا
هناك حقائق يدركها العاقل وغيره، إما بالعقل وإما بالتجربة، ومن أبرزها أن الحروب بين الأشقاء لا تخلّف في الغالب سوى البلاء والبكاء والندم والفشل.
لذلك، حذار ثم حذار من الانزلاق إلى حرب مع أشقائنا المغاربة، خشية أن نحصد منها ما حصدناه من حربنا مع أشقائنا الصحراويين، التي لم نجْنِ منها سوى التحسر على فقد الأحبة، وخسارة الأموال، واتساع الفجوة بين الشعبين الموريتاني والصحراوي.
فالعاقل من لا يُلدغ من جحر مرتين، لكن ذلك لا يعني التفريط في أي شبر من أرضنا الموريتانية، متى ثبت حقنا فيه بالأدلة والبراهين التاريخية، ووفقا للقواعد القانونية الدولية، عبر المنظمات المختصة ومحكمة العدل الدولية، وغيرها من الآليات القانونية المعترف بها.
إن المطالبة بالحقوق الوطنية لا تتعارض مع السعي إلى تحقيقها بالوسائل السلمية، بل إن الحوار والوساطات الدولية والتحكيم الدولي تظل خيارات ينبغي استنفادها قبل التفكير في أي مواجهة. أما إذا فشلت هذه الوسائل، وثبت تعذر الوصول إلى حل عادل، واستمر الطرف الآخر في رفض الحقوق المشروعة، فإن لكل مقام مقتضياته، مصداقا لقول الشاعر:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه
إذا لم يكن بالحلم رد المظالم
ونأسف بشدة لبعض النداءات الغريبة الصادرة عن بعض المدونين، التي لا يجوز اعتبارها معبرة عن موقف الشعب الموريتاني، ولا سيما تلك المطالبة بطرد أشقائنا وأحبابنا من أفراد الجالية المغربية المقيمة في موريتانيا، الذين تربطنا بهم علاقات الأخوة والجوار والتاريخ والمصالح المشتركة.
إن الخلافات السياسية بين الدول، مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للإساءة إلى الشعوب أو استهداف الجاليات المقيمة على أراضيها. فالعلاقات بين الشعوب أعمق من أن تختزلها خلافات عابرة أو مواقف سياسية متغيرة.
ألا يخشى أصحاب هذه الدعوات من أن تؤدي مثل هذه التصرفات إلى ردود فعل مماثلة تجاه جالياتنا في الخارج؟ أليس من الحكمة أن نجنّب مواطنينا وغيرهم من الأبرياء تبعات خلافات لا ذنب لهم فيها؟
إن طرد الجاليات أو التحريض عليها ليس حلا للخلافات السياسية، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من التوتر، ويضر بمصالح الشعوب التي ينبغي أن تكون أولى بالرعاية والحماية.
وفي الختام، فإنني أدعو شعوب المغرب العربي كافة إلى التمسك بروابط التاريخ والجغرافيا والدين، وبما يجمع بينها من وشائج اجتماعية وثقافية وعرقية متداخلة، وإلى العمل على منع أي احتكاك أو مواجهة مسلحة بين دول المنطقة.
فالحرب، إن اندلعت بين الأشقاء، لن يكون فيها منتصر حقيقي، وسيكون الخاسر الأكبر هو شعوب المغرب العربي، التي تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل، لا إلى مزيد من الصراعات والفرقة.
الدكتور محمد كوف

