
لقد نزلت تعميمة وزير الثقافة الجديد الشهيرة، التي تفرض العربية كلغة وحيدة للمراسلات الإدارية الموجهة إلى ديوانه، على النخبة نزول الصاعقة.
وإلى جانب الضجة التي أثارها هذا القرار المناقض لروح الانفتاح والبراغماتية التي ترفعها الحكومة شعارا لها، فإنه يطرح تساؤلات كثيرة.
كيف وصلنا إلى هنا؟ وهل هو قرار ناتج عن تشاور ودراسة متأنية؟ وهل قُيّمت عواقبه الوخيمة، داخليا وخارجيا؟
هل كان الوزير بحاجة إلى دخول بهذه الضجة إلى المشهد؟
ألم يحرج الحكومة بهذه الضربة الإعلامية ويُسدِ إليها خدمة سيئة؟
هل يحق له أن يحظر استعمال الفرنسية ليتستر على قصوره اللغوي، فيخلق بذلك وضعا لا يُحتمل، ويدوس على حق آلاف الفرانكفونيين الذين هم نتاج خالص لمنظومتنا التعليمية؟
مهما يكن، فقد كان لهذا القرار الوزاري فضل إعادة مسألة لغة العمل إلى الواجهة.
إنها في الحقيقة قضية متكررة تطفو بانتظام في النقاشات، سواء في قطاع التعليم بخصوص لغة التدريس، أو في الإدارة.
ومن الجدير التذكير بأنه منذ استقلال البلاد إلى يومنا هذا، ظلت الفرنسية تحتل مكانة متميزة داخل الإدارة والجيش.
وهذا الوضع لم يرق دوما لبعض "النخبة" العربية المتخرجة من المعاهد والجامعات المصرية والسورية والعراقية والليبية...
فقد فتحت الكوادر المنحدرة من هذه الفئة، المتشبعة بالإيديولوجيات القومية العربية المستوردة، جبهة ضد الفرنسية والفرانكفونيين الذين اعتُبروا خطأ أعضاء في الطابور الخامس الإمبريالي في خدمة الغرب.
هؤلاء القوميون العرب المتشددون، الذين أغرقوا نظامنا التعليمي بفرضهم تعريبا رخيصا، نجحوا في التغلغل داخل النظام السياسي والإداري والأمني، عبر احتلالهم جزءا كبيرا من مراكز القرار.
وهكذا، بفضل هذا الأسلوب القسري، تمكنوا من فرض قانونهم وتوجههم على البلاد.
لكن الأمر كان يتطلب أكثر من ذلك بكثير لاقتلاع الفرنسية نهائيا من البلاد ومحوها من الخارطة.
وقد تبين أن المهمة أصعب بكثير مما تصوروا.
ففي الواقع، ورغم النص الدستوري لسنة 1991 الذي يجعل العربية اللغة الرسمية الوحيدة، لا تزال الفرنسية لغة أساسية بحكم الواقع على مستوى الإدارة والجيش والقطاع الخاص.
أما على مستوى المنظمات الدولية العاملة في موريتانيا، فهي لغة العمل.
وعلى مستوى وزارة الداخلية، فإن المصلحة الشهيرة RAC التي تتواصل حول كل أنشطة الإدارة الإقليمية، تعمل بالفرنسية.
وعلى مستوى جميع الإدارات الفنية، يُعمل بالفرنسية.
وحتى على مستوى البرلمان، فإن معظم قوانيننا صيغت بالفرنسية قبل أن تترجم إلى العربية.
وللتاريخ، فإن معظم مسؤولينا، لكي يضفوا على أنفسهم شيئا من الأهمية، يحرصون خلال الزيارات الرئاسية أو الوزارية الميدانية على إقحام كلمات فرنسية ليظهروا أكثر جدية.
وحتى الوزير الأول، الذي ليس فرانكفونيا، يقع في هذا الفخ.
وعلاوة على ذلك، يحدث أن يلقي رئيس الجمهورية خطابا بالفرنسية. فهو فرانكفوني يشعر براحة أكبر عندما يتحدث بالفرنسية. وهذا أمر طبيعي.
والحجج التي تبرز أهمية الفرنسية لا تُحصى.
إن تسييس اللغة لا يقدمنا إلى الأمام. فالوزير وكل مسؤول يحترم نفسه، عليه أن يتقن على الأقل الفرنسية والعربية.
وقد آن الأوان لرفع اللبس عن وضعية الفرنسية، فهي لغة تشكل جزءا من تاريخنا وتراثنا ومعيشنا اليومي.
*بكاري كي*

