
معالي الوزير الأول،
إن إصلاح الإدارة العمومية لا يكتمل بمجرد إعادة تنظيم الهياكل أو إصدار التعليمات، وإنما يتطلب مراجعة الطريقة التي تُمارس بها المسؤوليات داخل مختلف قطاعات الدولة.
فالمناصب الإدارية ليست امتيازات شخصية، بل تكليفات عمومية تترتب عليها واجبات والتزامات، ويُفترض أن يكون معيار النجاح فيها هو ما يتحقق من نتائج ملموسة في خدمة المواطن وتطوير أداء المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، نقترح اعتماد نظام دوري لتقييم أداء المسؤولين، يشمل الوزراء والأمناء العامين والمديرين العامين ومديري المؤسسات العمومية، وفق معايير موضوعية تتناسب مع طبيعة اختصاص كل مسؤول.
ولا ينبغي أن يقتصر هذا التقييم على عدد القرارات الصادرة أو المشاريع المعلنة، بل يجب أن يمتد إلى قياس الأثر الحقيقي الذي أحدثه المسؤول داخل القطاع أو المؤسسة التي يتولى إدارتها.
ومن الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها أي تقييم جاد:
- كم من الكفاءات والمواهب المهنية استطاع المسؤول اكتشافها وإبرازها والاستفادة منها داخل مؤسسته؟
- ما مدى نجاحه في كشف الاختلالات ومظاهر الفساد، ومعالجتها وفق القانون والإجراءات المعمول بها؟
- ما التغييرات الإيجابية التي أحدثها في أساليب التسيير والأداء الإداري؟
- ما المكاسب التي تحققت للمؤسسة من حيث تطوير مواردها البشرية وتحسين خدماتها؟
- وما الذي تغير فعلياً في أداء المؤسسة مقارنة بالفترة التي تسلم فيها المسؤولية؟
كما يمكن أن يقوم التقييم على خمسة محاور أساسية:
1. مدى تنفيذ البرامج والأهداف المحددة للقطاع.
2. مستوى الانضباط الإداري وحسن تسيير الموارد البشرية.
3. جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
4. مستوى الشفافية والتنسيق والتعاون داخل المؤسسة.
5. القدرة على معالجة الاختلالات وتحقيق التحسين المستمر واكتشاف الكفاءات وتطويرها.
وينبغي أن يرتبط هذا التقييم ببرنامج عمل واضح، يتضمن أهدافاً محددة وآجالاً زمنية ومؤشرات لقياس النتائج، مع توفير الإمكانات والصلاحيات الضرورية للمسؤول حتى يتحمل مسؤولياته على أساس الإنصاف والموضوعية.
ومن الضروري أيضاً التمييز بين المسؤول الذي لم يحقق النتائج بسبب نقص الإمكانات أو ضعف الصلاحيات، والمسؤول الذي تتوفر له الوسائل والصلاحيات ولا يؤدي المهام الموكلة إليه. فالإنصاف يقتضي تشخيص الأسباب والتحقق من الوقائع قبل اتخاذ القرارات.
معالي الوزير الأول،
إن الدولة تحتاج إلى مسؤولين يقودون المؤسسات ويطورون أداءها، وليس فقط إلى مسؤولين يشغلون المناصب. وتحتاج إلى من يكتشف الكفاءات ويمنحها الفرصة، ويحمي الموظف المخلص، ويعالج الاختلالات، ويضمن عدم الإفلات من المساءلة.
إن اعتماد ثقافة التقييم الدوري والمساءلة الموضوعية من شأنه أن يجعل المسؤولية العمومية التزاماً قابلاً للقياس، وأن يمنح المواطن حقه في إدارة فعالة، ويعزز ثقة الموظف في مؤسسات الدولة.
فالمسؤول الناجح ليس فقط من يترك وراءه قرارات كثيرة، بل من يترك مؤسسة أفضل مما تسلمها، وكفاءات أكثر حضوراً، واختلالات أقل، ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
وفقكم الله وسدد خطاكم لخدمة الوطن والمواطنين.
أحمدو سيدي محمد الكصري
خبير وطني في التوجيه المهني وهندسة التكوين
مهتم بالشأن العام

