
في الاستحقاقات الماضية، تكالبت قوى متعددة، يجمعها خيط رفيع من الحقد، على النقيب بونا الحسن. ومع ذلك، انتصر. فوزًا متميزًا لا لبس فيه. ولا بد من الاعتراف أن ما بُذل من جهد، وما تحمّله من حملات، أضاف إلى رصيده ثقة مجموعات جديدة من الناخبين.
لكن هذا ليس موضوع مقالي.
ما أقلقني حقًا — وأوجعني مهنيًا قبل أن يزعجني شخصيًا — أن أسمع مجموعة من المحامين، بكامل وعيهم، مرتدين زيهم الرسمي، يقولون على مرأى ومسمع من الجميع:
“لن يفوز بونا، بل لن يترشح أصلًا… لقد كتبنا فيه لإدارة الأمن وأمعنّا في تشويهه.”
توقفت عند العبارة طويلًا.
ليس لأنها تستهدف شخصًا بعينه، بل لأنها تكشف انحدارًا أخلاقيًا لم أكن أتصور أن يبلغ هذه الدرجة داخل مهنة قامت أصلًا على الدفاع عن الحقوق، وصيانة الكرامة، وحماية الحريات.
هذا ليس خلافًا انتخابيًا.
ولا تنافسًا نقابيًا.
ولا حتى خصومة مهنية.
هذا حقد أسود، وانكسار قيمي، واستدعاء لأدوات خارج الحقل المهني لتصفية حسابات داخلية.
والحقيقة التي يعرفها الجميع — سواء اعترفوا بها أم حاولوا الالتفاف حولها — أن ميزان المهنة اليوم واضح.
لا أحد، في الظرف الراهن، يستطيع منافسة النقيب الحالي منافسة جدّية في الانتخابات.
وما لم يتنازل هو بإرادته، فلن يجرؤ جادٌّ على خوض الاستحقاق، لأن المعركة حينها لن تكون متكافئة في الرصيد ولا في الثقة ولا في الحضور داخل الجسم المهني.
وهنا تكمن المفارقة:
بدل أن تُبنى المنافسة على البرامج والرؤى، يُلجأ إلى التشويه والوشاية.
بدل أن يُقارع الرجل في الميدان، يُستدعى عليه الخارج.
المؤلم ليس أن تُشن الحملات، فالحملات جزء من كل استحقاق.
المؤلم أن تتحول المهنة إلى ساحة وشاية، وأن يُستبدل النقاش بالبلاغ، والحجة بالتشهير، وصندوق الاقتراع بمحاضر الأمن.
قِيَمُ النقيب مانعة من مجاراة هذا الصنف من السلوك.
ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية.
وليس عجزًا، بل وعيٌ بأن الرد على الانحطاط لا يكون بالانحطاط، وأن المهنة أكبر من نزوات أفراد.
لكن ما حصل ناقوس خطر.
ناقوس يُنذر بأن بعضنا بدأ يفقد البوصلة، ويستسهل إسقاط الزمالة، ويخلط بين الخصومة المهنية والتخريب الشخصي، وبين المنافسة المشروعة والهدم المنظم.
وأمام هذا المشهد، لا بد من كلمة صادقة:
ارفع رأسك أيها المحامي.
مهنتك ليست أداة تصفية.
وزيك الرسمي ليس غطاءً للكيد.
وقلمك لم يُخلق للوشاية بل للدفاع.
ومكانك الطبيعي في ساحات العدالة، لا في ممرات التشهير.
وفي كل الأحوال، تظل المهنة شريفة، عصيّة على التدنيس، لا تنال منها تصرفات أقلية، ولا يشوه صورتها انحدار عابر. فالمحاماة أكبر من الأشخاص، وأبقى من النزاعات، وأطهر من أن تدنسها أهواء عابرة.
تبقى المحاماة رسالة.
وتبقى الأخلاق عمودها الفقري

