
من البديهي أن الموارد مرتبطة بالنقل، والنقل مرتبط بالتأمين، والتأمين مرتبط بالمخاطر… أي بالقلق.
وهكذا، لم يعد الاقتصاد العالمي اقتصاد إنتاج فقط، بل أصبح اقتصاد قلق تتحكم فيه الجغرافيا السياسية بقدر ما تتحكم فيه الأسواق.
اليوم، ترتبط الطاقة في الشرق الأوسط بحالة دائمة من القلق، ومن الوهم الاعتقاد بأن الحروب أو التوترات هناك ستنتهي في وقت قريب. هذا الواقع يجعل سلاسل الإمداد غير مستقرة، وأسعار الطاقة متقلبة، ويضع الدول المستوردة – ومنها دولنا – في حالة تبعية مستمرة.
وفي ظل هذه التحديات، يؤسفني أن ما نراه غالبًا من القادة لا يتجاوز الحوار والنقاشات النظرية، بدل القرارات العملية.
بل إن بعض النقاشات تنحرف نحو قضايا هامشية، مثل الجدل حول زراعة الدلاح، التي تُعد في جوهرها نموذجًا لإهدار المياه واستنزاف الأراضي، بدل توجيه الجهد نحو محاصيل استراتيجية.
في الوقت الذي نرى فيه دولًا تعيد ترتيب أولوياتها الطاقوية – كما هو الحال في النقاش الدائر بين المغرب والجزائر حول تأمين الطاقة – نجد أنفسنا منشغلين بندوات وشعارات، بدل بناء أدوات السيادة الاقتصادية.
إن استمرار هذا النهج القائم على الترضيات، وتعيين الوجاهاء، وإدارة الوقت بالحوار بدل الفعل، يعني ببساطة أننا لا نمتلك بعد استراتيجية حقيقية ولا إرادة تنفيذية لمواجهة التحديات.
لذا وجب توجه نحو سياسة اقتصادية قائمة على الإرادة
والحل، في تقديري، لا يكمن في التشخيص فقط، بل في بناء سياسة اقتصادية عملية ترتكز على أربع نقاط أساسية:
1. السيادة (حل فوري + استراتيجي)
لا يمكن لأي اقتصاد أن يستقر دون طاقة مستقرة.
ولذلك يجب:
تأمين التوريد الفوري عبر اتفاقيات ثنائية (خصوصًا مع دول قريبة مثل الجزائر).
إنشاء أو إعادة تأهيل مصفاة وطنية.
عقد شراكات تقنية وتمويلية مع قوى صناعية مثل الصين.
توجيه جزء من الغاز المحلي نحو الصناعة (الكهرباء، الأسمدة، ).
2. الأمن الغذائي (جيش الأمن الغذائي)
الاستقلال الحقيقي يبدأ من الغذاء، لا من الشعارات.
إنشاء برنامج “جيش الأمن الغذائي” موجه للشباب.
استصلاح 3000–4000 هكتار كنموذج أولي.
إنتاج الحبوب والخضروات والأعلاف.
تطوير التخزين والتحويل الغذائي.
3. التصنيع وربط الصفقات بالإنتاج المحلي
الدولة التي تشتري دون أن تنتج، تبقى تابعة.
فرض شرط التصنيع أو التجميع المحلي في الصفقات العمومية.
جذب شركات صناعية بشراكات حقيقية.
تطوير نواذيبو كقطب صناعي.
مشروع رمزي عملي:
إطلاق سيارة اقتصادية وطنية “SEAT Mauritanie”:
وحدة تركيب محلية
سيارات منخفضة التكلفة
توجيه للسوق المحلي أولًا
نقل تكنولوجيا وتكوين كفاءات.
4. إصلاح بيئة الاستثمار (آلية تنفيذ قوية, والحد من التضخم)
المشكل ليس في الأفكار… بل في التنفيذ.
إنشاء خلية تنفيذ تحت إشراف الوزارة الأولى.
تبسيط الإجراءات (العقار، التراخيص، التمويل).
تفعيل صندوق ضمان للاستثمار.
رقمنة المساطر وربطها بقاعدة بيانات .
المعادلة الوطنية
توريد ذكي + إنتاج طاقوي + جيش غذائي + تصنيع محلي + تنفيذ فعال
= سيادة اقتصادية حقيقية.
نحن اليوم لا نعيش فقط أزمة موارد، بل نعيش أزمة قرار.
العالم يتجه نحو اقتصاد تحكمه المخاطر والاضطرابات، ومن لا يستعد له بسياسات حازمة، سيبقى رهينة له.
إن الانتقال من اقتصاد القلق إلى اقتصاد السيطرة لا يحتاج إلى مزيد من الندوات، بل إلى إرادة سياسية واضحة، وقرارات عملية، ومشاريع ملموسة.
وعندها فقط، يمكن أن نقول إننا بدأنا فعلًا طريق الاستقلال الاقتصادي.
محمد الأمين لحويج

