
يشكل مشروع MRT1056، الممول من Islamic Development Bank، خطوة مهمة في مسار إصلاح منظومة التكوين المهني وتشغيل الشباب في موريتانيا. ويعكس هذا المشروع وعياً متزايداً بضرورة الانتقال من مقاربات تقليدية في التكوين إلى نماذج أكثر ارتباطاً بحاجيات الاقتصاد الوطني ومتطلبات سوق العمل.
غير أن القراءة المتأنية لهذا المشروع تفرض التمييز بين مستويين أساسيين: مستوى التصميم، الذي يبدو متقدماً ومنسجماً مع المعايير الدولية، ومستوى التنفيذ، الذي يظل التحدي الحقيقي لأي إصلاح.
من حيث التصميم، يتضمن المشروع عناصر إيجابية لافتة، من بينها اعتماد أدوات التخطيط الحديثة كالإطار المنطقي ومصفوفة النتائج، إلى جانب إدماج مؤشرات لقياس الأداء، وهو ما من شأنه تعزيز ثقافة التقييم وربط التمويل بالنتائج. كما أن الانفتاح على تجربة OFPPT في إطار التعاون جنوب–جنوب يمثل فرصة ثمينة للاستفادة من نموذج أثبت نجاعته في مجال التكوين بالتناوب وربط التكوين بالمقاولة.
لكن، وعلى الرغم من هذه المكتسبات النظرية، فإن التجارب السابقة في القطاع تدعونا إلى التحلي بقدر من الحذر. فالإشكال في موريتانيا لم يكن يوماً في غياب الاستراتيجيات أو الوثائق المرجعية، بل في ضعف تفعيلها ميدانياً. إذ غالباً ما تبقى أدوات التخطيط حبيسة التقارير، دون أن تتحول إلى ممارسات يومية داخل مؤسسات التكوين.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مؤسسي مشروع يتعلق بمكانة الفاعلين الوطنيين داخل هذا المشروع، وعلى رأسهم الوكالة الوطنية للتكوين المهني "تكوين". فإذا كانت هذه الوكالة تمثل أحد الأعمدة التنفيذية للمنظومة، فإن غياب حضورها الواضح في مرحلة الانطلاق يطرح إشكالية تتعلق بكيفية ضمان الانسجام المؤسسي واستدامة نتائج المشروع. ذلك أن نجاح أي إصلاح لا يقاس فقط بجودة تصميمه، بل بمدى اندماجه داخل الهياكل الوطنية القائمة، وقدرة هذه الهياكل على حمل مخرجاته بعد انتهاء التمويل.
ومن أبرز التحديات البنيوية التي قد تواجه هذا المشروع، استمرار ضعف منظومة تتبع الخريجين، وهو عنصر محوري في تقييم أثر التكوين على التشغيل. فغياب قواعد بيانات دقيقة ومحدثة، وعدم وجود آليات إلزامية للتواصل مع الخريجين، يجعل من الصعب قياس النتائج الحقيقية لأي برنامج تكويني، مهما بلغت جودة تصميمه.
كما أن إشراك القطاع الخاص، رغم حضوره في الخطاب الرسمي، يظل في كثير من الأحيان شكلياً أكثر منه فعلياً. ذلك أن بناء شراكات ناجحة مع المؤسسات الإنتاجية يتطلب إطاراً تعاقدياً واضحاً والتزامات متبادلة، تتجاوز مجرد النوايا إلى آليات تنفيذ ومتابعة دقيقة.
ولا يمكن إغفال عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في جاهزية مؤسسات التكوين نفسها. فنجاح أي إصلاح يظل رهيناً بقدرة هذه المؤسسات على استيعاب التغيير، سواء من حيث الكفاءات البشرية أو التجهيزات أو ثقافة التسيير. وهنا تبرز إشكالية مقاومة التغيير، التي غالباً ما تعيق تنزيل الإصلاحات، خصوصاً في ظل غياب برامج موجهة لتأهيل المديرين وتعزيز قدراتهم في مجال الحكامة التربوية.
إن الرهان الحقيقي لمشروع MRT1056 لا يكمن في جودة هندسته، بل في قدرته على إحداث تغيير فعلي في الممارسة. وهو ما يقتضي الانتقال من منطق "تنفيذ الأنشطة" إلى منطق "تحقيق الأثر"، عبر التركيز على عناصر محددة، في مقدمتها: إرساء نظام فعال لتتبع الخريجين، وبناء شراكات ملزمة مع القطاع الخاص، وضمان التطبيق الحقيقي للتكوين بالتناوب، إضافة إلى الاستثمار في تأهيل القيادات الإدارية داخل مؤسسات التكوين.
وفي الختام، يمكن القول إن هذا المشروع يمثل فرصة حقيقية لإعادة توجيه منظومة التكوين المهني في موريتانيا نحو مزيد من الفعالية والارتباط بالتنمية الاقتصادية. غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل مرهوناً بمدى القدرة على تجاوز الإشكالات التقليدية في التنفيذ، وترسيخ ثقافة جديدة قوامها الالتزام، والمساءلة، والعمل الميداني الجاد، في إطار مؤسسي منسجم يضمن مشاركة جميع الفاعلين الأساسيين دون استثناء.
أحمدو سيدي محمد الكصري
خبير وطني في التوجيه المهني وهندسة التكوين

