
دخل نادي أفسي نواذيبو التاريخ من أوسع أبوابه بعد تتويجه بلقب الدوري الموريتاني للمرة التاسعة توالياً، في إنجاز غير مسبوق محلياً، يؤكد التحول الكبير الذي عرفه النادي خلال السنوات الأخيرة، ويطرح في الوقت ذاته أسئلة عميقة حول واقع المنافسة في كرة القدم الموريتانية.
فما يحققه النادي البرتقالي لم يعد مجرد تفوق عابر أو جيل ذهبي مؤقت، بل أصبح مشروعاً رياضياً متكاملاً فرض نفسه بقوة على الساحة الوطنية، حتى بات اللقب المحلي يبدو وكأنه حجز دائم باسم أفسي نواذيبو.
وبهذا التتويج، رفع أفسي نواذيبو رصيده إلى 14 لقباً في الدوري الموريتاني، ليعزز مكانته كأكثر الأندية تتويجاً في تاريخ المسابقة، خاصة بعد سلسلة هيمنة متواصلة بدأت منذ موسم 2017 ـ 2018 واستمرت حتى اليوم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل ما يحدث سابقة عالمية أم مجرد حالة خاصة بالدوري الموريتاني؟
الحقيقة أن الهيمنة المتواصلة ليست جديدة تماماً في كرة القدم العالمية، فقد شهدت دوريات عديدة سيطرة أندية كبرى لفترات طويلة، مثل بايرن ميونيخ في ألمانيا، ويوفنتوس في إيطاليا، وماميلودي صن داونز في جنوب إفريقيا. لكن الوصول إلى تسعة ألقاب متتالية يبقى إنجازاً نادراً جداً حتى على المستوى العالمي، ولا تحققه إلا أندية قليلة تمتلك تفوقاً واضحاً على منافسيها.
غير أن الفرق الجوهري بين تلك النماذج العالمية والحالة الموريتانية يكمن في طبيعة المنافسة. ففي كثير من البطولات الكبرى، رغم هيمنة نادٍ معين، تبقى هناك أندية قادرة على التهديد والمنافسة حتى الأسابيع الأخيرة، بينما يبدو الدوري الموريتاني اليوم أقرب إلى سباق غير متكافئ.
ولا يمكن اختزال الأمر في “ضعف المنافسين” فقط، لأن أفسي نواذيبو نجح فعلاً في بناء منظومة احترافية متقدمة مقارنة ببقية الأندية، سواء من حيث:
• الاستقرار الإداري.
• الاستثمار المالي.
• جودة الانتدابات.
• البنية التحتية.
• العمل القاعدي والفئات السنية.
• الخبرة الإفريقية المتراكمة.
كما استفاد ان النادي من احترافية القائمين عليه ، استطاع تحويل النادي من فريق محلي إلى مؤسسة رياضية حديثة ذات حضور إفريقي واضح.
لكن في المقابل، فإن معظم الأندية الموريتانية ما تزال تعاني من:
• ضعف الموارد المالية.
• غياب الاستثمار.
• غياب مراكز التكوين.
• عدم الاستقرار الإداري والفني.
• ضعف التسويق والجماهيرية.
• الاعتماد شبه الكامل على الدعم الموسمي.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية:
ليست في قوة أفسي نواذيبو وحدها، بل في عدم تطور بقية المنظومة بالسرعة نفسها.
إن استمرار فريق واحد في السيطرة المطلقة لسنوات طويلة قد يمنح صورة إيجابية عن الاستقرار، لكنه يحمل أيضاً مؤشرات مقلقة على تراجع التنافسية، وهو ما قد يؤثر مستقبلاً على جاذبية البطولة، وحماس الجماهير، وحتى تطور مستوى اللاعبين المحليين.
فالدوريات القوية تُبنى بالمنافسة، لا بالاحتكار.
ومن هنا، فإن تجديد المنافسة على اللقب في موريتانيا يحتاج إلى مشروع وطني شامل، يقوم على عدة محاور أساسية:
أولاً: دعم الأندية اقتصادياً بطريقة احترافية، وليس فقط عبر الإعانات التقليدية.
ثانياً: إلزام الأندية بالاستثمار في الفئات السنية والتكوين.
ثالثاً: تطوير البنية التحتية والملاعب.
رابعاً: تحسين حقوق النقل والتسويق لخلق موارد مالية حقيقية.
خامساً: تشجيع دخول الشركات والقطاع الخاص في الاستثمار الرياضي.
سادساً: تعزيز الحوكمة والشفافية داخل الأندية.
كما أن الاتحاد الموريتاني لكرة القدم مطالب اليوم بالتفكير في كيفية رفع مستوى التوازن التنافسي، لأن نجاح أي دوري لا يُقاس فقط بقوة بطله، بل أيضاً بقدرة بقية الفرق على الحلم بالمنافسة.
ويبقى أفسي نواذيبو، مهما قيل، نموذجاً ناجحاً في الإدارة الرياضية الحديثة داخل موريتانيا، لكن نجاحه الكبير يجب أن يكون مصدر إلهام لبقية الأندية، لا سبباً لتحول الدوري إلى بطولة شبه محسومة قبل بدايتها.
فكرة القدم تعيش بالمفاجآت…
وحين تختفي المفاجأة، يبدأ الجمهور في فقدان الشغف
الدكتور محمد ولد الحسن صحفي رياضي.

