
يقولون إن لكل بداية نهاية، لكن في حكاية الدكتور ضياء العوضي، كانت النهاية بدايةً لانفجارٍ حقيقي في الوعي، وفتحاً واسعاً للأسئلة التي ظل الناس يؤجلونها طويلاً حول المرض، والغذاء، والصحة، وطبيعة الحياة التي نعيشها.
نحن اليوم لا نودع طبيباً عابراً، بل نودع رجلاً امتلك جرأة السؤال، وأصرّ على أن يفتح ملفات ظل الاقتراب منها عند كثيرين ضرباً من المجازفة. وقف بهدوئه المعهود، وابتسامته الواثقة، ليقول إن صحة الإنسان لا ينبغي أن تبدأ من علبة الدواء، بل من أسلوب الحياة، ومن المائدة، ومن العودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
لقد حاول خصومه – في نظر محبيه – محاصرته بأشكال مختلفة، فتعرض للنقد والتشكيك والإقصاء، وأُغلقت منصاته التي كانت بالنسبة لكثيرين فضاءً للتوجيه والنقاش. لكن الأفكار التي تلامس الناس لا تختفي بسهولة، لأن أثرها ينتقل من شاشة إلى بيت، ومن خطاب إلى تجربة، ومن تجربة إلى قناعة.
ولعل الإشكالية الفكرية الأبرز التي ظل الدكتور ضياء العوضي – رحمه الله – يطرحها، هي سؤال العلاقة بين الغذاء والصحة والابتلاء. ففي التصور الإيماني، كان يرى أن الإنسان قد يُبتلى من الأبواب التي يغفل عنها، وأن باب الطعام ليس مجرد وسيلة للبقاء، بل قد يكون باباً للصحة أو باباً للضعف إذا ابتعد الإنسان عن الاعتدال والطيبات.
وفي استحضار قصة آدم عليه السلام، يرى بعض من تأثروا بفكره دلالةً رمزية على أن غواية الإنسان قد تمر عبر الشهوة، ومنها شهوة الطعام، حين يغيب الوعي والانضباط. ومن هذا المنطلق، كان يدعو إلى مراجعة أنماط الاستهلاك الحديثة، والتساؤل حول أثر التصنيع الغذائي والإفراط في الأغذية المعالجة على صحة الإنسان وانتشار الأمراض المزمنة.
ومن باب الإنصاف، فإن الدكتور ضياء العوضي – رحمه الله – لم يكن يدعو إلى رفض الطب أو هجر الدواء كما يظن البعض، بل كان يؤكد – بحسب ما ينقله متابعوه – أن الأصل هو الوقاية والتحصين قبل الوقوع في المرض. وكان يرى أن نظام «الطيبات» يمثل وسيلةً لتقوية الجسم وتقليل احتمالات الإصابة بالأمراض، حتى لا يصبح الإنسان محتاجاً إلى الدواء إلا عند الضرورة.
والأهم من ذلك، أنه لم يكن يشجع المرضى على التوقف العشوائي عن الأدوية، بل كان يوصي – وفق ما يؤكده أنصاره – بعدم ترك أي علاج إلا بعد المتابعة الطبية والفحوصات التي تثبت تحسن الحالة وعدم الحاجة إليه. وهي نقطة تعكس أن دعوته – في جوهرها – كانت أقرب إلى تعزيز الوقاية وتحسين نمط الحياة، لا إلى القطيعة مع الطب الحديث.
لقد أعاد الدكتور ضياء طرح سؤال بسيط لكنه عميق: هل يمكن أن نحافظ على صحتنا قبل أن نبحث عن علاج أمراضنا؟ وهل يمكن للإنسان أن يجعل غذاءه حصناً له بدلاً من أن يكون سبباً في إنهاكه؟
اليوم، قد تغيب الوجوه، وتُغلق الصفحات، لكن الأفكار التي تحرك الأسئلة الكبرى تبقى حية. وربما كان الإرث الحقيقي الذي تركه الدكتور ضياء العوضي هو أنه أعاد لكثيرين الإيمان بأن الصحة ليست فقط وصفةً طبية، بل مسؤولية تبدأ من وعي الإنسان بنفسه، وغذائه، ونمط حياته.
رحم الله الدكتور ضياء العوضي، وغفر له، وجعل ما قدّمه من اجتهاد خالصاً لوجهه الكريم. ويبقى الاختلاف حول الأفكار أمراً طبيعياً، لكن الأكيد أن الرجل أثار نقاشاً لن يتوقف قريباً حول معنى الصحة، والوقاية، والعودة إلى الفطرة.
أحمدو سيدي محمد الكصري
باحث في مجال الطب البديل

