
تُعدّ مهنة المحاماة من أسمى المهن وأكثرها ارتباطًا بالعدالة والحرية والدفاع عن الحقوق والحريات. فالمحامي ليس مجرد وكيل في الخصومات، بل هو شريك أساسي في تحقيق العدالة وحماية القانون وضمان التوازن داخل المجتمع. غير أن هذه المهنة النبيلة تعيش اليوم في كثير من البلدان أزمات عميقة ومتعددة الأوجه، جعلت العديد من المحامين، خصوصًا الشباب منهم، يشعرون بالإحباط وفقدان الثقة في مستقبل المهنة.
حين يتهرب المحامي من تحمل المسؤولية عمّا آلت إليه أوضاع المهنة، ويتعامل مع الأزمات باعتبارها قدرًا محتومًا لا دور له فيه، تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا. فالمحاماة ليست مجرد امتياز شخصي، وإنما مسؤولية جماعية تتطلب من الجميع الانخراط في إصلاح البيت الداخلي بدل الاكتفاء بالنقد أو التذمر أو تحميل المسؤولية للآخرين.
لقد تحولت الانتخابات المهنية في كثير من الأحيان إلى موسم للوعود الكبيرة والشعارات الرنانة، حيث تُرفع مطالب الإصلاح والدفاع عن المحامين وتحسين أوضاعهم، لكن ما إن يصل البعض إلى منصب النقيب أو عضوية المجلس حتى تختفي تلك الوعود، ويغيب التواصل مع القاعدة المهنية، ويصبح همّ المحافظة على النفوذ والمصالح الخاصة مقدمًا على خدمة المهنة وأهلها. وهذا ما خلق فجوة كبيرة بين المحامين وهيئاتهم المهنية، وأضعف الثقة في العمل النقابي.
ومن أبرز مظاهر الأزمة أيضًا عجز عدد كبير من المحامين عن إيجاد مقرات محترمة يمارسون من خلالها مهنتهم، في ظل غياب الدعم الحقيقي، وارتفاع تكاليف المكاتب، وضعف فرص الاندماج المهني. فبدل تشجيع ثقافة مكاتب المحاماة الجماعية التي تتيح تبادل الخبرات وتقاسم التكاليف وخلق بيئة مهنية أكثر قوة وتنظيمًا، ما تزال الفردانية تسيطر على قطاع واسع من المحامين، وكأن النجاح لا يتحقق إلا بالعزلة والعمل الفردي.
كما أن احتكار بعض قدماء المهنة للمجال، ووضع العراقيل أمام الشباب، يزيد من تعقيد الوضع. فبدل نقل الخبرة وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، يتحول البعض إلى حراس للمهنة، يخشون المنافسة، ويعملون على إبقاء الامتيازات محصورة في دائرة ضيقة. وهذا السلوك لا يضر بالشباب وحدهم، بل يضر بمستقبل المحاماة نفسها، لأن أي مهنة لا تتجدد تموت تدريجيًا.
وتتفاقم الأزمة أكثر مع التفاوت الكبير في المستويات العلمية بين المحامين، في ظل غياب تكوين جاد ومستمر يواكب تطورات القانون والتحولات الاقتصادية والرقمية. فالمحاماة اليوم لم تعد تعتمد فقط على المعرفة التقليدية بالنصوص، بل أصبحت تتطلب تكوينًا عاليًا في مجالات متعددة، من التحكيم والصفقات والاستثمار إلى الجرائم الإلكترونية والقانون الدولي وحقوق الإنسان. ومع ذلك، ما يزال التكوين المهني في كثير من الأحيان شكليًا وضعيفًا، لا يحقق الغاية المطلوبة.
ومن أخطر ما يهدد جسم المحاماة كذلك ظهور التكتلات الجهوية والقبلية والعرقية داخل المهنة، بما يحولها من فضاء للدفاع عن القانون إلى ساحة للصراعات الضيقة والانتماءات التقليدية. فالمحامي يجب أن يكون ابن القانون والعدالة، لا ابن الجهة أو القبيلة أو العرق. وعندما تتحكم هذه العقليات في القرارات المهنية، تضيع الكفاءة وتُقتل روح التضامن.
كما أصبح التخوين والتسفيه وتمييع المهنة سلوكًا متكررًا في بعض النقاشات المهنية، حيث تُستعمل الإشاعات والتشهير بدل الحوار الجاد، ويتم تحويل المحاماة أحيانًا إلى ملجأ لإعادة تأهيل المتقاعدين أو الباحثين عن الوجاهة الاجتماعية، بدل أن تبقى مهنة قائمة على الكفاءة والتخصص والاستحقاق.
ولا يمكن الحديث عن أزمة المحاماة دون التطرق إلى احتكار العقود والملفات الكبرى من طرف قلة قليلة، واستغلال المحامين الشباب بأتعاب هزيلة وظروف مجحفة، في ظل قوانين أو ممارسات لا توفر الحد الأدنى من الحماية المهنية والاجتماعية لهم. فالشباب هم عماد المهنة ومستقبلها، وأي إقصاء أو تهميش لهم هو ضرب مباشر لمستقبل العدالة نفسها.
ومن الإشكالات البنيوية أيضًا استمرار عقلية الاحتكار عبر الإبقاء على هيئة وحيدة تتحكم في مصير الجميع، خلافًا لما هو معمول به في العديد من الدول العربية والأفريقية المجاورة، حيث توجد هيئات متعددة تخلق نوعًا من التوازن والتنافس الإيجابي وتوسيع فرص التمثيل. إن احتكار القرار المهني داخل دائرة ضيقة يؤدي غالبًا إلى التسلط والانغلاق وإقصاء الأصوات المخالفة.
ولعل من أخطر مظاهر الأزمة تغييب الجمعية العامة عن اتخاذ القرارات المصيرية، وانفراد شخص أو مجموعة صغيرة بتقرير مصير ميئات المحامين دون مشاركة حقيقية وشفافة. فالمحاماة لا يمكن أن تُدار بعقلية الوصاية، بل بروح الديمقراطية والتشاور واحترام إرادة الأغلبية.
كما أن إدخال المهنة في صراعات عبثية مع القضاء أو السلطات العمومية دون رؤية واضحة أو أهداف مهنية حقيقية، يضر بصورة المحامي وهيبة المهنة، ويجعل المحامي طرفًا في معارك استعراضية لا تخدم العدالة ولا مصالح المتقاضين.
إن أزمة المحاماة اليوم ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة شاملة وجريئة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالمشاكل، ثم بإرساء تكوين مهني جاد، وتعزيز الشفافية والديمقراطية داخل الهيئات، وحماية المحامين الشباب، وتشجيع العمل الجماعي، ومحاربة الاحتكار، وتكريس ثقافة الكفاءة بدل الولاءات الضيقة.
فالمحاماة لا يمكن أن تستعيد مكانتها إلا إذا عاد المحامي إلى جوهر رسالته النبيلة: الدفاع عن الحق، والانتصار للعدالة، وخدمة المجتمع بعيدًا عن المصالح الشخصية والصراعات الهامشية. وعندما يدرك الجميع أن قوة المحاماة من قوة وحدتها وعدالتها الداخلية، يمكن حينها الحديث عن غد افضل للمهنة ولاصحابها .
متابع للسجال القائم بمناسبة اقتراب انتخابات المحامين
محمد ابراهيم الشيخ
مترشح سابق مظلوم لمسابقة الكفاءة

